أسامة الرنتيسي –
الأول نيوز – لِنُصَغِّر فتحة الفرجار قَليلًا، ونقول إن الحرب الإسرائيلية الأميركية على إيران ما هي سوى اسْتِكْمالٍ لِلَعنة الإبادة التي وقعت في غزة ولا تزال حربها مستمرة، وهذه جزء من الارتدادات التي أصابت المنطقة كلها، وأَشْعَلَتِ النيران في عديد عواصمها، وستستمر وهي مستمرة، حتى يظهر الخيط الأبيض من الخيط الأسود الذي تحدث عنه السفير الصهيوني الأميركي هوُكابي مبشرا بإسرائيل الكبرى.
ما وقع من أحداث بعد طوفان الأقصى 7 أكتوبر 2023 شيء لا يصدقه عاقل، ولا يتخيله أحد، فَغَزَّة دُمٌّرَت وشعبها أبيد وجُوِّع وكسرت كرامته وهو يبحث عن حفنة أرز أو كيس طحين، وحسب اعترافات حماس وأرقامِها فإن “الاحتلال دمر نحو 90% من بنية قطاع غزة خلال العدوان“.
وما بعد طوفان الأقصى فرط محور المقاومة، فحِزْب الله تهشم والبحث الآن في نزع سلاحه، وسورية غادرها الأسد خلسة، والعراق تَهَدَّم واليمن تَحَطَّم وقُتِل مئات الآلاف من شعبه، إضافة إلى الدمار الواسع الذي لحق به، ورأس المحور إيران ضربت على أنفها حتى تقطعت أنفاسها وهي التي خذلت غزة وبقيت طوال السنتين تهدد من بعيد ولم تفعل شيئا لاحد محاورها (حماس) التي خاضت المعركة باسم المحور جميعه.
لكن في الوجهة الأخرى؛ ألا ترون معي أن ما وقع صبيحة الطوفان، كأننا في حلم؛ ما فعله الفلسطينيون فجر 7 تشرين المجيد (أكتوبر)، من إذلال للجيش الذي لا يقهر، لا يقل أهمية عن هزيمة الصهاينة ونصر 6 أكتوبر (تشرين) 1973، عندما مُرِّغَت أنوف العدو الصهيوني ودُمِّرَ خط بارليف.
ما فعله الفلسطينيون ليس فعل مقاومة فحسب على ممارسات إسرائيل العدوانية، بل هو خط التحرير الأول للأرض المحتلة، فالذي شاهد قطعان المستوطنين يهربون من مستوطناتهم يكتشف أن هؤلاء إلى زوال وأنهم لن يصمدوا في الأرض الفلسطينية طويلا.
لأول مرة منذ النكبة، لا يدافع الفلسطينيون عن أرضهم، بل كانوا مُباغتينَ لِمُحتَلّي الأرض بعد أن وصل بهم الغرور والغطرسة إلى أن شعروا أن مفاتيح الدنيا في أياديهم، وأنهم قد أحكموا القبضة على الأرض والعِرْض والإنسان.
في هذه المواجهة غير المسبوقة، أسقطت المقاومة الفلسطينية في “طوفان الأقصى” معادلات وحسابات كثيرة، فما قبل “طوفان الأقصى” ليس كما بعده.
أسقطت المواجهة وهْمَ المخابرات والاستخبارات الإسرائيلية بعد فشل منقطع النظير في الاختراق الأمني الكبير الذي نجحت به المقاومة الفلسطينية، فدخلت الأرض المحتلة برا وجوا بكل الوسائل، “فدخل السبت في …اليهودي“.
شطبت عملية “طوفان الأقصى” كل محاولات التطبيع والترحيب العربية مع الكيان المحتل في مشروعات مشبوهة، تعمل على تغيير بوصلة الصراع، وكَأنَّ الفلسطينيين على هامش القضية، وليسوا في قلبها ومحرِّكها الأول والأخير.
أنهت العملية البطولية نظام الردع الذي كانت تمارسه قوات الكيان المحتل بحق الشعب الفلسطيني، فبعد أن دمرت طائرات العدو الصهيوني أكبر مجمعات غزة السكنية كانت المقاومة تمطر تل أبيب بالصواريخ معظمها وصل إلى أهدافه المحددة.
الإبادةُ والدمُ الفلسطيني النازف منذ أكثر من عامين أيقظى شعوب العالم، وحركا شوارِعَه وعواصِمَه، وغيَّرا سياسات حكوماته بالاعتراف بالدولة الفلسطينية.
ما بعد “طوفان الأقصى” ويا ريت كان “طوفان القدس” ليس كما بعده، إن الانفجار الكبير آتٍ، و”إسرائيل” إلى زوال قصر الزمن أم طال.
حتى الآن لم تظهر ارتدادات الإبادة في غزة، لكن ستظهر في عدة عواصم، والتغيير الذي أصاب ضمير العالم لن يبقى عند التظاهرات ورفع الأعلام الفلسطينية بل سيضع بصمات جديدة على خريطة العالم.
الدايم الله….