لسنا ضحايا… بل نصوص لم تُراجع بعد

الأول نيوز – صلاح أبو هنّود –

 

– مخرج وكاتب –

 

هناك فكرة مريحة… وخطيرة في آن واحد: أن نعتقد أننا ضحايا خطط سابقة. مريحة لأنها ترفع عنّا عبء المسؤولية، وخطيرة لأنها تُبقي القيود كما هي، وتمنحنا عذرًا دائمًا للبقاء حيث نحن.
لا يمكن إنكار أن التاريخ لم يكن بريئًا. لقد مرّت هذه المنطقة بلحظات مفصلية أعادت تشكيلها من الخارج، كما حدث في اتفاقية سايكس بيكو، حيث لم تكن الحدود انعكاسًا طبيعيًا لحياة الشعوب، بل نتيجة قرارات كُتبت على الخرائط قبل أن تُعاش على الأرض. لكن الخطأ الفادح أن نختصر حاضرنا في تلك اللحظة، وكأن الزمن تجمّد عندها، وكأن كل ما تلاها ليس إلا امتدادًا أعمى لها.
التاريخ قد يفسّر البدايات، لكنه لا يبرّر الاستمرار. فالخطة—أي خطة—لا تملك قوة ذاتية تجعلها خالدة؛ إنها تحتاج دائمًا إلى من يعيد إنتاجها. تعيش حين نكرر خطابها، حين نعيد صياغة انقساماتها، حين نؤمن أن حدودها قدر لا يمكن تجاوزه. وهنا، دون أن نشعر، يتحول الإنسان من ضحية إلى وسيط، من متضرر إلى حامل للفكرة التي قيدته.
المشكلة ليست فقط أن هناك من خطط، بل أن تلك الخطط نجحت في التسلل إلى وعينا، حتى أصبحت جزءًا من طريقة رؤيتنا للعالم. لم نعد نراها كشيء مفروض، بل كشيء “طبيعي”. ندافع عنها أحيانًا، ونخاف من كسرها، لا لأننا نحبها، بل لأننا اعتدناها حتى صارت تشبهنا.
لقد تم تقسيم الجغرافيا مرة، لكننا نعيد تقسيم المعنى كل يوم. نختلف كما لو أن الاختلاف قدر محتوم، ونتصارع كما لو أن الصراع هو تعريفنا الوحيد لأنفسنا. نعيش داخل سرديات قديمة، نحفظها كما نحفظ أسماءنا، وننسى أن نسأل: من كتب هذه السرديات؟ ولماذا ما زلنا نؤمن بها؟
ما نعيشه اليوم قد لا يكون إلا نصًا قديمًا، نعيد قراءته دون أن نجرؤ على مراجعته. نردده، نعيد إنتاجه، ونورثه للأجيال القادمة، وكأنه حقيقة نهائية لا تقبل التعديل. لكن الحقيقة الأعمق أن أي نص، مهما كان راسخًا، يظل قابلًا لإعادة الكتابة… إذا امتلك القارئ شجاعة السؤال.
الضحية الحقيقية هي من لا تملك خيارًا. أما نحن، فنملك خيارًا لم نستخدمه بعد. نستطيع أن نفكك هذا الإرث، أن نعيد النظر في المسلمات، أن نخرج من القوالب التي ورثناها دون أن نختارها. نستطيع أن نرى أنفسنا خارج الحدود التي رُسمت لنا، لا لننكرها، بل لنعيد تعريفها.
فالتحرر لا يبدأ بإسقاط الخطة، بل بإدراك أنها ليست مقدسة. يبدأ حين نفهم أن ما ورثناه ليس بالضرورة ما يجب أن نستمر فيه، وأن الماضي، مهما كان ثقيلًا، لا يملك حق السيطرة على المستقبل إلا إذا منحناه نحن هذا الحق.
نحن لسنا أسرى الماضي… بل أسرى الطريقة التي نفهم بها الماضي. وما لم نغيّر هذا الفهم، سنبقى ندور في الدائرة ذاتها، نلعن من رسم الخريطة، بينما نحن من يعيد رسمها في عقولنا كل يوم.
‎السؤال الحقيقي لم يعد: هل نحن ضحايا خطط سابقة؟
‎بل: هل نملك الشجاعة لنكتب خطة جديدة… أم سنبقى نحيا داخل هوامش كتبها غيرنا؟

عن Alaa

شاهد أيضاً

الملاذ الاستراتيجي وصدمات الازمة

الأول نيوز – دهايل عبيدات اهمية الملاذ الاستراتيجي  في الازمات تكمن في ضمان تامين الاحتياجات …