أسطورة سيزيف: من العبث إلى المقاومة

الأول نيوز – صلاح ابو هنّود – مخرج وكاتب 
في الميثولوجيا اليونانية، كان سيزيف رمزاً للعبث؛ محكوم عليه بدفع صخرة إلى قمة جبل، لتسقط فور وصوله فيعيد الكرة للأبد. لكن “سيزيف الفلسطيني” منح هذه الأسطورة معنىً مغايراً تماماً. الصخرة هنا ليست عقاباً، بل هي “الأرض” و”الهوية” و”البيت”. والتكرار ليس عبثاً، بل هو فعل مقاومة واعٍ. عندما تسقط الصخرة بفعل عدوان أو خذلان دولي، لا ينكسر سيزيف، لأنه أدرك أن القوة الحقيقية تكمن في “فعل الصمود” ذاته وليس فقط في لحظة الوصول إلى القمة. لقد تحول الوقت لديه من عدو يستهلك العمر إلى حليف يبني الأمل، فصعوده المتكرر هو الذي يثبت أحقيته بالجبل، بينما سقوط الصخرة لا يزيده إلا إصراراً.
المجتمع الدولي: الجبل الأصم والعجز الوظيفي
يقف المجتمع الدولي في هذه اللوحة كـ “الجبل” الذي يفترض أن يوفر القمة الآمنة والعدالة المنشودة. إلا أن واقع الحال يكشف عن “عجز وظيفي” بنيوي؛ فالمنظومة الدولية، بمواثيقها وقراراتها، تبدو أحياناً كأنها مصممة لتجعل القمة “زلقة” أمام الحق الفلسطيني. إن سياسة “إدارة الصراع” بدلاً من حله، وازدواجية المعايير، حولت المؤسسات الدولية إلى أدوات لتخليد رحلة العناء السيزيفية بدلاً من إنهائها. هذا العجز ليس مجرد ضعف تقني، بل هو خيار سياسي يغذي الظلم ويمنح القوة الغاشمة وقتاً إضافياً للتنكيل بالضحية.
عقيدة شمشون: “عليّ وعلى أعدائي”
على الطرف الآخر من المواجهة، تبرز عقيدة “شمشون” التي يتبناها الخصم. في اللحظة التي يشعر فيها هذا الكيان بالتهديد الوجودي أو بعدم القدرة على فرض إرادته المطلقة، فإنه يلجأ إلى استراتيجية التدمير الشامل: “عليّ وعلى أعدائي”. إنها فلسفة “الخيار الصِّفرِي” التي لا تقبل بالعدالة المشتركة، بل تفضل هدم المعبد على الجميع إذا لم تكن هي سيدة المكان المطلقة. هنا يتجلى التناقض الأخلاقي؛ فبينما يحاول سيزيف الحفاظ على المكان (الأرض) عبر البناء المتكرر، يهدد شمشون بمحو المكان عبر الهدم الانتحاري.
انتصار العدل: صراع الإرادات
رغم القوة المادية الهائلة التي يمتلكها “شمشون”، إلا أن سيزيف الفلسطيني يمتلك تفوقاً وجودياً حاسماً. لقد تحرر سيزيف من “فزاعة النهاية” التي يلوح بها خصمه. عندما توقف الفلسطيني عن الخوف من سقوط الصخرة، سلب شمشون أقوى أسلحته وهو “الابتزاز بالقوة”.
إن سيزيف الفلسطيني يؤمن بأن الزمان والمكان يعملان لصالحه. المكان بالنسبة له هو “الذات” والجغرافيا التي لا تقبل القسمة، والزمان هو “النفس الطويل” الذي يتآكل معه الباطل مهما بدا صلباً. إن الإيمان بأن العدل سينتصر ليس مجرد تفاؤل عاطفي، بل هو قراءة فلسفية لصيرورة التاريخ؛ فالمعبد الذي يُهدم بعقيدة “عليّ وعلى أعدائي” يدفن تحته صاحبه، بينما يظل سيزيف، الذي اعتاد النهوض من بين الركام، حياً ليجمع حجارته ويبدأ من جديد.

‎الخاتمة
‎إن المواجهة الحالية ليست مجرد صراع على حدود، بل هي صدام بين فلسفتين: فلسفة “الحياة كفعل صمود” وفلسفة “القوة كأداة للفناء”. وفي نهاية المطاف، لن تكون الغلبة لمن يملك القدرة على الهدم، بل لمن يملك الإرادة على البناء تحت القصف، والقدرة على الابتسام في وجه الصخرة وهي تسقط

عن Alaa

شاهد أيضاً

لماذا الأردن؟ .. حقائق التاريخ في مواجهة أبواق التشكيك

الاول نيوز – هشام القواسمة –   في الوقت الذي تصاعدت فيه حدة التجاذبات الإقليمية، …