الدكتور أحمد الطهاروة – الأول نيوز –
مع اقتراب انتهاء المهلة التي لوّح بها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لإيران، تتجه الأنظار إلى السؤال الأخطر: هل يبقى الصراع في إطار الضربات الجوية والبحرية والعمليات المحدودة، أم يتدحرج إلى حرب برية واسعة تشترك فيها الولايات المتحدة وإسرائيل في مواجهة إيران؟
المؤكد حتى الآن أن المشهد شديد الخطورة. فالتقارير الحديثة تحدثت عن تهديد أمريكي مباشر بتوسيع الضربات إذا لم تستجب طهران للمطالب الأمريكية المرتبطة بمضيق هرمز، كما تحدثت تقارير أخرى عن استعدادات إسرائيلية لضرب منشآت طاقة إيرانية بانتظار الضوء الأخضر الأمريكي. ومع ذلك، ما زالت قنوات التفاوض حاضرة، ولو بالحد الأدنى، ما يعني أن الحرب البرية ليست قدرًا محتومًا، لكنها لم تعد احتمالًا نظريًا بعيدًا.
إذا وقع الانتقال إلى البر، فإن السيناريو الأول سيكون توغلات محدودة: إنزالات خاصة، عمليات إنقاذ، استهداف مواقع صاروخية أو نووية، أو إقامة نطاقات مؤقتة على بعض السواحل والجزر أو حول منشآت استراتيجية. وهذا السيناريو، وإن كان مكلفًا، يظل أكثر واقعية من محاولة غزو شامل. أما السيناريو الثاني، وهو الأخطر، فيتمثل في حرب برية ممتدة ترمي إلى إسقاط النظام أو تدمير البنية العسكرية الإيرانية من الداخل. وهذا السيناريو، في تقديري، هو الأكثر إغراءً على الورق، لكنه الأكثر فشلًا في التطبيق.
فإيران ليست دولة هامشية يسهل كسرها بعملية صدمة سريعة. نحن نتحدث عن دولة كبيرة المساحة، كثيفة السكان، ذات بنية عسكرية وأمنية متعددة الطبقات، وتمتلك خبرة طويلة في الحرب غير المتماثلة، وشبكات نفوذ إقليمية، وقدرة على تحويل أي توغل بري إلى حرب استنزاف مركبة: جبهة داخلية، وصواريخ، ومسيرات، ومضائق، ووكلاء، وضغط اقتصادي عالمي عبر الطاقة والملاحة. والتجارب الأمريكية السابقة تقول بوضوح إن التفوق الناري لا يكفي عندما تدخل الجيوش الأجنبية أرضًا واسعة ومعقدة سياسيًا واجتماعيًا.
في فيتنام، لم تُهزم أمريكا لأنها كانت أضعف عسكريًا؛ بل لأنها عجزت عن تحويل قوتها العسكرية إلى سيطرة سياسية مستقرة. حتى الأدبيات العسكرية الأمريكية اللاحقة أقرت بأن واشنطن نظرت إلى الحرب هناك بعين الحرب التقليدية، بينما كان الصراع في جوهره حرب تمرد وسيطرة على المجتمع والإرادة السياسية. وقد واجهت الولايات المتحدة هناك مزيجًا شديد الفاعلية من القوات النظامية وحرب العصابات والبنية السياسية المحلية المساندة للقتال.
وفي أفغانستان، كانت الصورة أوضح. فبعد عشرين عامًا من القتال، وصف رئيس هيئة الأركان المشتركة الأمريكية السابق مارك ميلي الحرب بأنها “فشل استراتيجي”، بينما وثّقت تقارير المفتش العام الأمريكي لإعمار أفغانستان أن الفساد، وضبابية الأهداف، وضعف بناء الدولة، كلها عوامل نسفت الجهد الأمريكي من الداخل. أمريكا ربحت معارك كثيرة، لكنها خسرت القدرة على صناعة نظام قابل للحياة بعد انسحابها.
أما العراق، فهو المثال الأقرب ذهنيًا لأي حديث عن إيران. فواشنطن أسقطت بغداد بسرعة، لكنها اصطدمت بعد ذلك بحرب مدن وتمرد وتفكك سياسي وطائفي جعل “النصر العسكري الأولي” بداية لأزمة أطول، لا نهايتها. والدراسات العسكرية الأمريكية نفسها عادت لاحقًا لتؤكد أن القتال في العراق أظهر أن السيطرة على العاصمة أو إسقاط النظام لا يساويان تلقائيًا الاستقرار أو النصر السياسي.
لهذا، فإن السؤال: لمن ستكون الغلبة؟ يجب أن يُجاب عنه بدقة لا بشعارات. إذا كان المقصود الغلبة في الجو والبحر والتدمير بعيد المدى، فالولايات المتحدة وإسرائيل تتفوقان بلا شك. وإذا كان المقصود إلحاق ضرر بالغ بالبنية الإيرانية، فهذا أيضًا ممكن. لكن إذا كان المقصود حسم حرب برية شاملة داخل إيران، وفرض نتيجة سياسية مستقرة، ومنع تحول الأرض الإيرانية إلى مسرح استنزاف طويل، فإن الكفة تصبح مختلفة تمامًا.
بل إن دروس فيتنام وأفغانستان والعراق تقول إن القوة الكبرى تُهزم عادة على ثلاثة مستويات: أولًا عندما تسيء تعريف هدف الحرب؛ وثانيًا عندما تخلط بين إسقاط القدرة العسكرية للخصم وكسر إرادته الوطنية؛ وثالثًا عندما تكتشف أن الزمن يعمل لصالح المدافع أكثر مما يعمل لصالح المهاجم. وهذه الدروس، برأيي، تنطبق على إيران بدرجة أكبر، لا أقل.
إيران قد لا تنتصر بمعنى الانتصار التقليدي الكامل، لكنها تستطيع أن تمنع خصومها من تحقيق نصرهم. وهذه نقطة جوهرية في الحروب الحديثة: ليس المطلوب دائمًا أن تهزم خصمك ميدانيًا، بل أحيانًا يكفي أن تحرمه من ترجمة قوته إلى نتيجة سياسية. هنا بالتحديد خسرت أمريكا في فيتنام، وتعثر مشروعها في العراق، وانتهى وجودها في أفغانستان إلى انسحاب مؤلم بعد حرب طويلة ومكلفة.
لهذا يمكن القول إن أي حرب برية واسعة ضد إيران، إن وقعت، ستكون حربًا مفتوحة على مفاجآت خطيرة، وقد تتحول من مشروع حسم سريع إلى مشروع استنزاف إقليمي ودولي. نعم، أمريكا وإسرائيل تستطيعان البدء بقوة، لكن البداية شيء، وإنهاء الحرب بشروط المنتصر شيء آخر تمامًا.
أن الغلبة في حرب كهذه لا تُقاس بعدد الطائرات ولا بحمولة القنابل فقط، بل بالقدرة على الصبر، وتحمل الكلفة، وإدارة الأرض، ومنع التمرد، وحماية الإمداد، وضبط الإقليم المحيط. وفي هذا النوع من الحروب، تُظهر التجربة أن القوى الكبرى كثيرًا ما تربح المعركة الأولى وتخسر اختبار النهاية.