الأول نيوز – صدر حديثًا عن دار البيروني للنشر والتوزيع كتاب (سكرانٌ بالدم: قتلى الله في التوراة) وهو كتاب من ترجمة د.حسني عايش اللبدي من تأليف سيتف وِلز ويقع الكتاب من 332 صفحة من قطع المتوسط ويدخل الكتاب القارئ إلى قلب السرد التوراتي.
وتأتي ترجمة كتاب «سكرانٌ بالدم: قتلى الله في التوراة» للمؤلف ستيف وِلز، بجهد الكاتب والمؤلف والمترجم الأستاذ حسني عايش اللبدي، كمبادرةٍ معرفيةٍ جريئة تضع النصّ الديني في مواجهة سؤالٍ أخلاقي مباشر، وتعيد ترتيب القراءة من زاويةٍ طال إهمالها. هذا العمل ليس عرضًا لاهوتيًا تقليديًا، وليس جدلًا عابرًا في نقد الدين، إنما هو مشروع توثيقي يقوم على تتبّعٍ منهجيٍّ لوقائع القتل المنسوبة إلى الله في أسفار التوراة، مع اعتماد معيارٍ واضح في الإدراج والتصنيف والحساب، بحيث يتحول السرد المتناثر إلى سجلٍّ مرصود المعالم، مضبوط الإيقاع، مكشوف النتائج.
تكمن قوة الكتاب في بنيته الإحصائية الصارمة، إذ يتعامل مع النص بوصفه مادةً قابلةً للفحص الكلي، فيجمع ما تناثر عبر الأسفار ضمن قائمةٍ متصلة، ويُميّز بين الأرقام الصريحة التي وصلت عبر 158 مذبحة قتل فيها 2.5 مليون إنسان، وبين التقديرات التقريبية التي تصل إلى 25 مليون إنسان، وليصل إلى حصيلةٍ عددية تُحدث أثرها التراكمي في وعي القارئ. إن هذا التحويل من السرد المجتزأ إلى الرؤية الشاملة يمنح العمل طابعه الصادم، ويجعل من القراءة مواجهةً فكرية عميقة، وليست مجرد
اطلاع عابر على وقائع تاريخية.
المؤلف يعتمد قراءةً حرفية للنصوص، ويضعها في حدّها الأقصى من الوضوح، ليختبر الاتساق بين صورة الإله الرحيم وصورة الإله الذي يُصدر أوامر القتل أو يباركها أو ينفّذها. هذا الخيار المنهجي ليس استهزاءً، وليس استفزازًا لغرض الإثارة، إنما هو اختبارٌ صريح لحدود الحرفية حين تتحول إلى مرجعيةٍ أخلاقية أو سياسية. القارئ يجد أمامه نصوصًا موثّقة، وإحالاتٍ دقيقة، وترتيبًا منطقيًا يرفع النقاش إلى مستوى المحاججة المنضبطة، بعيدًا عن الانفعال والارتجال.
أما الترجمة، فهي أكثر من نقلٍ لغوي. إن إخراج هذا العمل إلى العربية يوسّع دائرة النقاش، ويفتح بابًا لتأمّل علاقة النصّ المقدّس بالعنف المؤسِّس في التاريخ والواقع. المترجم حافظ على حدّة الخطاب وأمانة العرض، ولم يسعَ إلى تلطيف العبارات أو تخفيف وقعها، إدراكًا منه أن قوة العمل كامنة في صراحته ووضوح مقصده. وبهذا يصبح النصّ المترجم أداةً معرفية تُسهم في تعميق الحوار حول حدود التأويل، ومسؤولية القراءة، والفصل بين السرد الديني وسياقه السياسي.
إن «سكرانٌ بالدم» كتابٌ للأسئلة الثقيلة، وللمراجعات العميقة، ولإعادة النظر في المسلّمات التي اعتاد الوعي الجمعي تمريرها من غير مساءلة. إنه دعوةٌ إلى فحص
العلاقة بين المقدّس والسلطة، وبين الإيمان والحرفية، وبين النص والتاريخ، ضمن أفقٍ فكري يطلب الاتساق والوضوح. قد يختلف القرّاء في مآلاته الفكرية، غير أنّهم سيجدون أنفسهم أمام مادةٍ جدليةٍ موثّقة تُحيلهم إلى مسؤوليتهم الخاصة في الفهم والحكم.
بهذه الترجمة، يدخل العمل فضاءً عربيًا جديدًا، ويغدو جزءًا من نقاشٍ أوسع حول النصوص المؤسسة وحدودها. إنها خطوةٌ ثقافية محسوبة، تضع بين يدي القارئ نصًا صريحًا، مكتملاً في منهجه، واضحًا في غايته، وتترك له الكلمة الأخيرة ضمن أفق المعرفة والوعي والمسؤولية.
:: من مقدمة المترجم ::
“حين وقعتُ على هذا الكتاب قبل سنوات، وفتحته على مهل كما تُفتح النصوص التي يُخشى ما فيها، داهمتني رهبة كثيفة مما حفلت به صفحاته من مذابح منسوبة إلى الإرادة الإلهية، مذابح تُروى ببرود النص المقدّس، وتُمرَّر كما لو كانت قدرًا مشروعًا. عندها آثرت الصمت، وأغلقت الكتاب، وأبعدته عن التداول، على عادةٍ اكتسبتها مع الكتب النادرة التي أستشعر خطرها المعرفي قبل اكتمال قراءتها، تلك الكتب التي تعرف كيف تزرع بذرتها ثم تنتظر زمنها.
ظلّ الكتاب في عزلته، إلى أن انفجرت مشاهد الإبادة الجماعية والتدمير الشامل في قطاع غزة، حيث انكشف القتل في أوضح صوره العارية، قتل لا يميّز بين جنين
ورضيع، ولا بين طفل وامرأة، ولا بين شاب ومسن، قتل يمرّ على الأجساد كما تمرّ النار على الهشيم، دون التفات إلى معنى الإنسان. عندها عدت إلى الكتاب، وعدت إلى نصوصه بعين أخرى، فبان لي أن ما يُرتكب في غزة ليس انحرافًا طارئًا عن نص قديم، إنما هو صدى مطابق لما هو مسطور في التوراة، أي في العهد القديم، صدى خرج من النص إلى الواقع، ومن الحبر إلى الدم. عند تلك اللحظة اتخذ القرار بترجمة هذا العمل، بعد الحصول على الإذن اللازم، ليكون متاحًا لكل من يرغب في النظر، ولكل من يسعى إلى فهم الجذور العميقة للعنف حين يتدثّر بالمقدّس.”