خيار شمشون: هل يمكن لإسرائيل، بكل ما تمتلكه من قوة، أن تبقى؟!

الاول نيوز –  نيقولاوس فان دام

خيار شمشون يلوح في الأفق مع تصاعد الاستراتيجية العسكرية الإسرائيلية وعمليات الاغتيال المستهدفة والغموض النووي، مما يثير تساؤلات ملحّة حول استقرار المنطقة والأمن طويل الأمد وآفاق السلام في الشرق الأوسط.
يمكننا القول بثقة إن إسرائيل قد توقفت منذ زمن طويل عن السعي لتحقيق السلام في الشرق الأوسط، إن كان ذلك قد كان هدفًا لها في أي وقت مضى. فقد أوضح سلوكها العدواني ذلك منذ اللحظة الأولى لتأسيسها عام 1948 -إن لم يكن قبل ذلك- في ضوء الأعمال الإرهابية التي قامت بها آنذاك جماعات صهيونية مثل الإرغون وليحي بقيادة مناحيم بيغن وإسحاق شامير (أصبحا لاحقًا رئيسي وزراء لإسرائيل).
لقد كان ذلك باستمرار بمثابة اندفاع إسرائيلي إلى الأمام اتسم بالعنف المفرط والإجرام، وهو مسار أصبح أكثر وضوحًا مع مرور السنين. ولا يمكن لمجرمي الحرب أن يتوقعوا تحقيق السلام من خلال الاحتلال، وإخضاع جيرانهم بالقوة، وارتكاب المجازر بحقهم، والتطهير العرقي لهم. وعليهم أن يحسبوا حساب العواقب وردود الفعل من ضحاياهم استنادًا إلى مبادئ العدالة، إن لم يكن على المدى القصير، فبالتأكيد على المدى البعيد.
كما أن اغتيال قادة أعداء إسرائيل من العرب والإيرانيين لن يجلب الهدوء؛ إذ سيكون هناك دائمًا من هو مستعد وقادر على أن يحل محلهم. وكان يُفترض أن قادة إسرائيل السياسيين ليسوا من السذاجة بحيث يغفلون عن فهم ذلك، وأن من الأفضل السعي إلى سلام حقيقي، إن كان لا يزال ممكنًا، بعد أكثر من ثلاثة أرباع قرن من هذا السلوك الإجرامي.
ولكن ربما لم تختفِ المعجزات بعد من هذا العالم، ما لم يكن قد تم بالفعل تجاوز نقطة اللاعودة منذ زمن بعيد.
خلال الحرب العالمية الثانية، كان اليهود يُحظون بالإعجاب لقدرتهم على تزوير الوثائق وإنقاذ الأرواح. أما اليوم، فإن اليهود الإسرائيليين، خصوصًا في الأوساط الغربية، يُشاد بهم ويُمدحون لكونهم أثبتوا أنهم أساتذة بارعون في القتل الذكي، من خلال تنفيذ عمليات “العلم الكاذب”، والقيام بقصف جماعي باستخدام الذكاء الاصطناعي، واستعمال أسلحة محظورة، والانخراط في أعمال التجسس، وغير ذلك. وفي الواقع، يبدو أن السلوك الإسرائيلي وشعاره الموجِّه يشبهان في جوانب عديدة سلوك ألمانيا النازية: القتل الجماعي، والإبادة، والاستئصال، والتطهير العرقي، وإسرائيل الكبرى، والتفوق اليهودي، وطرق مخصصة لليهود فقط، ونزع الصفة الإنسانية عن المجموعة السكانية الأخرى، وهجمات على ممتلكات  الفلسطينيين.
وقد حقق كتاب المؤلف الإسرائيلي رونين بيرغمان، انهض واقتل أولًا: التاريخ السري لعمليات الاغتيال الإسرائيلية المستهدفة، نجاحًا كبيرًا عند صدوره. وهو يروي بجرأة ملحوظة عمليات قتل خارج نطاق القضاء قام بها إسرائيليون، تجاوز عددها ما قامت به أي دولة غربية منذ الحرب العالمية الثانية. ولا تزال إسرائيل تحظى بإعجاب كبير في الغرب بسبب هذه الممارسات التي أصبحت تقنياتها أكثر تطورًا.
ويمكن التفكير، على سبيل المثال، في اغتيال قادة في إيران وحزب الله، وعمليات اغتيال سابقة لقادة فلسطينيين في تونس، ومقتل وإصابة آلاف  اللبنانيين نتيجة انفجارات أجهزة النداء – البيجر التي جُهزت بمتفجرات بطريقة بارعة، وقتل زعيم حماس أحمد ياسين وهو على كرسي متحرك من طائرة مروحية إسرائيلية، وانفجار رأس زعيم حماس يحيى عياش بسبب متفجرات زُرعت في هاتفه المحمول من قبل جهاز الأمن الإسرائيلي، فضلًا عن السيارات المفخخة، والغارات الجوية، والتسميم، وعمليات الاغتيال الموجهة، وجنود متنكرين في هيئة فلسطينيين، أو متخفّون بزيّ نساء يضعن مساحيق التجميل، وما إلى ذلك.
لن تحقق إسرائيل السلام من خلال كل ذلك.
إن العدوان الإسرائيلي المعاصر لن يؤدي إلا إلى زيادة التهديدات المحتملة. وإذا جاء يوم تُصبح فيه إسرائيل، على الرغم من تفوقها العسكري الساحق في الوقت الحاضر، مهددة حقًا، فمن المرجح جدًا أن تلجأ إلى استخدام الأسلحة النووية للقضاء على خصومها في أنحاء المنطقة، وفق ما يسمى بـ”خيار شمشون“، حيث يُجرّ الجميع إلى الهاوية. فإسرائيل أول من أدخل الأسلحة النووية إلى المنطقة، ولا تزال تحتفظ باحتكار في هذا المجال.
ويمكن اعتبار الدول الغربية التي تسامحت دائمًا مع الترسانة النووية الإسرائيلية، من خلال عدم انتقادها لها، فضلًا عن عدم اتخاذ أي إجراء ضدها، على عكس موقفها من تطوير الطاقة النووية (وليس بعد الأسلحة النووية) من قبل دولة مثل إيران، متواطئة في مثل هذا التطور الكارثي من جانب إسرائيل.
فهل فات الأوان الآن لاعتماد سياسة مختلفة تجاه إسرائيل، بما يخدم مصلحتنا ومصلحة العالم؟ أم أن الأمر كما قال لي دبلوماسي أمريكي خلال الغزو الإسرائيلي للبنان عام 1982: “لقد خلقنا فرانكنشتاين، وحشًا ولم نعد قادرين على السيطرة عليه”؟
على أي حال، فقد حان الوقت لكبح جماح إسرائيل بما يخدم مصلحة السلام العالمي.

* الدكتور نيقولاوس فان دام هو السفير الهولندي السابق لدى إندونيسيا وألمانيا وتركيا ومصر والعراق، والمبعوث الخاص لسوريا.
خدم، في بداية مسيرته الدبلوماسية، في لبنان والأردن والأراضي الفلسطينية المحتلة وليبيا.
مؤلف كتاب الصراع على السلطة في سوريا (2011)، وتدمير وطن: الحرب الأهلية في سوريا (2017)، ورحلاتي الدبلوماسية في العالم العربي والإسلامي (2026).

عن Alaa

شاهد أيضاً

الاحتطاب بليل …وهذه هي الحقيقة

الاول نيوز – الدكتور عبدالمهدي القطامين زوبعة اثارتها بعض مواقع الاخبار وكان الهدف منها واضح …