السبت , أكتوبر 10 2026

حرب اليمن

الدكتور احمد الطهاروة – الاول نيوز 

تبدو الأزمة اليمنية أسيرة صراع تتداخل فيه الحسابات الداخلية مع المصالح الإقليمية والدولية، فيما يظل أفق التسوية غامضًا في ظل الرهان على القوة والحسم العسكري. وبين تنازع السلطة واتساع المواجهة، يدفع الشعب اليمني الثمن الأثقل من أمنه واستقراره وفرصه في الحياة.

ولا يمكن قراءة الحرب في اليمن بمعزل عن موقعه الاستراتيجي وإطلالته على باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية في العالم. فهذا الموقع يمنح الصراع أبعادًا تتجاوز الحدود اليمنية، ويربطه بأمن الملاحة والتجارة والطاقة، وبحسابات النفوذ الممتدة إلى الخليج ومضيق هرمز. وهكذا، تتحول الجغرافيا اليمنية إلى نقطة التقاء بين أزمة وطنية ومواجهة إقليمية أوسع.

وفي هذا المشهد، لم يعد الطريق إلى صنعاء مجرد مسار عسكري عبر الجوف ومأرب والبيضاء، بل بات مرتبطًا بحسابات سياسية وأمنية تتجاوز الميدان إلى العواصم المؤثرة، وفي مقدمتها الرياض. وتتقاطع مصالح قوى إقليمية ودولية عند احتواء النفوذ الإيراني، وإن اختلفت أهدافها وأدواتها وحدود انخراطها في الصراع.

أما الحوثيون، فيسعون إلى الحفاظ على مناطق سيطرتهم ومواقع نفوذهم، ضمن علاقة بإيران تجعل المواجهة جزءًا من حسابات تتجاوز الداخل اليمني. ومع ذلك، فإن اختزال الحرب في التنافس الإقليمي وحده يحجب جذورها المحلية، المرتبطة بتنازع السلطة، وضعف مؤسسات الدولة، والانقسامات السياسية والاجتماعية.

وتزداد المأساة حين يُستدعى الخطاب الطائفي لتعبئة المقاتلين وتبرير استمرار الحرب؛ إذ تتحول الاختلافات إلى وقود للخصومة، ويُستغل الفقر وغياب الفرص في استقطاب من يدفعون حياتهم ثمنًا لمعركة لا يملكون قرارها. وبينما تتصارع الأطراف على السلطة والنفوذ والثروة، تتراجع احتياجات اليمنيين إلى الأمن والتعليم والصحة والعمل أمام أولويات القتال.

لقد أنهكت دورات الصراع المجتمع اليمني، وعمّقت الانقسامات، وأضعفت قدرته على التعافي. وكلما اتسع التدخل الخارجي، ازدادت صعوبة بناء توافق وطني، وأصبح مصير البلاد أكثر ارتباطًا بموازين القوى ومصالح أطراف لا تتحمل الكلفة الإنسانية التي يتحملها اليمنيون.

وفي ظل التوترات البحرية والضغوط السياسية والاقتصادية والعسكرية، تكتسب أي جهود للتهدئة أهمية خاصة. غير أن التهدئة المؤقتة تظل قاصرة ما لم تتحول إلى مسار سياسي يعالج أسباب النزاع، ويؤسس لوقف دائم وشامل لإطلاق النار، ويعيد الاعتبار لوحدة اليمن وسيادته وحق أبنائه في تقرير مستقبلهم.

إن المخرج الحقيقي يبدأ بحقن الدماء، والتخلي عن التحريض الطائفي، وبناء تسوية وطنية تقوم على المواطنة والشراكة وسيادة القانون. فاليمن يحتاج إلى دولة تتسع لجميع أبنائها، وإلى مشروع يعيد توجيه الطاقات نحو البناء والتنمية بدل استنزافها في جولات متلاحقة من الاقتتال.

ولا يستقيم الحديث عن انتصار فيما يبقى الشعب أسير الخوف والحرمان. فالانتصار الذي يستحقه اليمنيون هو استعادة قرارهم الوطني، وإنهاء توظيف بلادهم في صراعات الآخرين، وبناء مستقبل يجد فيه أبناؤهم مدارس وفرص عمل ومؤسسات عادلة، وتصبح فيه الحياة الكريمة حقًا متاحًا للجميع.

عن Alaa Alnaji

شاهد أيضاً

اكربي زنارك: صفارة الانطلاق في مهرجان الحياة

الاول نيوز – صلاح ابو هنّود مخرج وكاتب ليس “الزنار” في مأثورنا المشرقي الشامي والفلسطيني …