الأحد , أكتوبر 25 2026

الحكومة التي ترى بعين واحدة

الأول نيوز – الدكتور محمود المسّاد
من فروة الراعي إلى الرؤية النفقية.. حكاية الحكومات المتعاقبة
في أدبيات “عادات العقل” التي وضعها كوستا وكاليك، هناك حقيقة معرفية جوهرية: العقل لا يفكر بكل ما يعرف، بل يفكر بما يهتم به. فالاهتمام حين يتحول إلى شغف، يتحول من مجرد شعور إلى آلية فرز وانتقاء. يفتح العقل مسرباً واحداً ضيقاً بين مخازن خبراته ومعارفه واتجاهاته وبين تفكيره، ويغلق بقية المسارب. فيتدفق كل شيء نحو موضوع الشغف، ويُحجب كل شيء عن سواه. وهنا يكبر الموضوع في عين صاحبه أضعاف حجمه الطبيعي، لا لأنه كبير بذاته، بل لأن العين لا ترى غيره.
هذه عادة عقلية فردية، قد تكون مفيدة للباحث أو الفنان، لكنها تصبح خطيرة حين تنتقل من الفرد إلى المؤسسة.
وهذا بالضبط ما يحدث عندما يُختزل عمل الحكومة في اهتمام رئيسها وشغفه. فتتحول عادة العقل الفردية إلى سياسة عامة. يرى الرئيس ملفاً واحداً هو الأهم – قد يكون الطرق، أو الاستثمار، أو التحول الرقمي – فيوجه كل المعرفة الحكومية وكل الخبرات وكل الموازنات نحو هذا المسرب الواحد، وتُغلق المسارب الأخرى المتعلقة بالتعليم والصحة والعدالة الاجتماعية والثقافة. لا لأنها غير مهمة، بل لأنها لا تقع ضمن دائرة شغفه.
وتتفاقم الطامة حين يأتي رئيس جديد بشغف جديد. فيُهجر المسرب القديم، ويُفتح مسرب جديد، ويبقى الوطن أسيراً لدورة من الاهتمامات الفردية المتعاقبة. وهكذا يتحول العمل الوطني الشامل المتكامل والمتراكم من بناء مؤسسي صلب إلى فروة راعٍ، كل رئيس يرقع فيها على هواه، فتتعدد ثقوبها وتهترئ أوصالها وبطانتها.
لهذا كانت الحكمة الخالدة: “عقلان أفضل من عقل”. فالرأي الناضج لا يولد من عقل واحد مهما بلغت حكمته، بل من تفاعل عقول متعددة. إن الدولة القوية لا تُدار بعين واحدة ترى ما تحب، ولسان واحد يتحدث عما يهتم به، بل بعقول متعددة ترى الصورة كاملة.
إن الازدهار والمنعة لا يتحققان بتوحيد الاهتمامات، بل بإدارة التعدد. تعدد الجغرافيا والأصول والمنابت والعقول والخبرات، حين تعلوه إدارة حكيمة ومؤسسية فاعلة، تجعل من تعدد المسارب قوة، لا ضعفاً، وتجعل من الحكومة عيناً ترى بكل عيون الوطن، لا بعين الفرد الواحدة.
صبراً يا وطني فعين الله وحدها تحرسك وترعاك

عن Alaa Alnaji

شاهد أيضاً

براطم الفضائيات تغزو العائلات … ارحموا المُرَبّي العراقي

الأول نيوز – محمد السيد محسن …. تطل علينا بين فينة وأخرى وعلى شاشات فضائيات …