عمان فجر الخميس: أول خميس دون جمال ناجي

جمال القيسي –
1
سأحدثكم عن الغياب.. غياب دفق الحياة عن شراييني وأوردتي، وعن انحناءة شجرة شاهقة كانت ظلا ظليلا لروحي وكياني، وتركتني لالتياعي وحر كبدي لشمس لاهبة، ولفح هجر جارح في بلقع خال حتى من السراب.
سأحكي لكم عن موت الصباح في قلب عصفور أخضر، وعن خسارات الورد لندى الحب. يا لخسارات الورد يا أصدقائي. حنانيكم أن تفجعوني أكثر فقد قصم ظهري جمال وبي ما يكفيني، فلا تتركوني.
أحدثكم عن جمال ناجي. حبيبي وأخي وسند روحي وصديقي وصاحبي وأستاذي ودليلي ورفيقي. عن قِبلةِ روحي “إذا ما شكت الأقدام أشواك الطريق”. عن من كنت نديمه وسميره وسهيره، وأيضا محاميه وسائقه الشخصي الليلي، والكاتب الوحيد الذي استودعه روايته الأخيرة.
جمال ناجي الأبي الذي أبى أن يغادر الدنيا إلا تاركا قطعة نفيسة من روحه؛ رواية فاتنة عنوانها” ليلة الثلوج الأخيرة” ولم يغادر إلا بعد أن تبرع بعينيه، غير آبه باقتلاعهما كي يبصر غيره النور.
هنيئا لمن سيرى بعينيك يا حبيبي.. يا ذا العينين الخضراوين الطيبتين الصافيتين.
أصر على أن “ضحكات عيونو.. ثابتين ما بينقصوا”!
لكني الآن “مدري شو به وبعرف شو بو”
فيرد القدر الساخر: “عامل حالك مش عارف”!
2
طَوَى “المدينة” حتى جاءَني خَبَرٌ فَزِعْتُ فيهِ بآمالي إلى الكَذِبِ
حتى إذا لم يَدَعْ لي صِدْقُهُ أمَلاً شَرِقْتُ بالدّمعِ حتى كادَ يشرَقُ بي”
وقفت أمام “ثلاجة الموتى” فانساب وجهه أمامي هادئا جدا، على نحو أكثر من عادته، وابتسامة ساخرة كما ابتسامة الوليد على طرف شفته اليسرى، قسما بروح أمي – وهي عندي عزيزة- أني لا أتوهم.
تمثلت التماسك، وتقمصت دور الرجل الصلب؛ فقبلت جبينه وعينيه لكن”هو ومغمضهن عينيه” هذه المرة!
ثم حين تحرك لساني قالت دموعي بعتب أبعد من الوجع: ” ليش يا جمال!”!
“وبكيتُ كالطفل الذليل أنا الذي
ما لان في صعب الحوادث مقوَدي”
منتحبةً سحبتني (ختام) زوجتي إلا أني لم أغادر قبل أن أكمل في حقه ما عرفته فيه من صلابة وبأس:
“بالأمس فيك ضـراوة الذئب الصدي
سومحتِ بل جوزيت كيف طويت لي”
ولكنك ذئب لا يشيخ ولم يكن الغدر يوما طبعك وإنما غدر بك الرحيل!
3
في الباب، ألفيت وختام، الطفل الكبير (موسى حوامدة) موسى حوامدة وحيدا، بل كان معه الذهول، وكان أول من وصل إلى جمال ناجي من الأصدقاء، ألفيناه يمارس “دور المتماسك” مع أبناء جمال وأشقائه. كان متماسكا بطريقة (تراجيكوميديا) جعلتني أحبه أكثر وأشفق على قلبه الرقيق أكثر وأكثر. واقترحت علي ختام أن نبعده عن المكلومين، ثم (محمد داودية) Mohammad Dawodieh “فارعا دارعا لحل الموضوع.. واستعادة جمال” أتى جزعا مصدوما غير مصدق، إلا أن موسى حوامدة واصل معه دور المتماسك، وأقنعه أن الموضوع انتهى ولا حل له مطلقا!
ثم جاء ماهر القيسي ماهر القيسي منافسا لموسى على “دور المتماسك” فباء بفشل ذريع يستحق إزاءه الاكتفاء بخوض غمار الفجائع على مستوى قرابة الدم فقط مهما اقتربت! ربما يصلح (ماهر) أن يقف منتصب القامة – كعادته – في وفاة أي إنسان آخر غير جمال ناجي.
ثم صرنا نهيم – ماهر وأنا- في ليل بهيم فاختار (قال) الحديث عن الطقس وتقلباته في تلك الليلة؛ مواصلا دور المتماسك! يا لبراءة الأطفال في روحك يا خال!

عن الأول نيوز

شاهد أيضاً

وضع حجر الأساس لمبنى جديد بمستشفى الأمير فيصل

الأول نيوز – وضع رئيس الوزراء جعفر حسان، الأحد، حجر الأساس لمشروع إنشاء مبنى جديد …