الحكومة الأوكرانية في المنفي بين القانون والسياسة

الدكتور أيمن سلامة –

 

الأول نيوز – ناقش المسؤولون الأمريكيون والأوروبيون في الآونة الأخيرة كيفية دعم الغرب لحكومة في المنفى بقيادة الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، إذا اضطر إلى الفرار من كييف، وقال المسؤولون إن المناقشات تراوحت بين دعم زيلينسكي وكبار المسؤولين الأوكرانيين في انتقال محتمل إلى “لفيف” في غرب أوكرانيا، إلى احتمال إجبار زيلينسكي ومساعديه على الفرار من أوكرانيا تمامًا وإنشاء حكومة جديدة في بولندا.

تمثل الحكومات في المنفى مستجد قانوني وواقعي أفرزته الظروف الاستثنائية الخاصة خلال الحرب العالمية الأولى ، فقد لعب الاحتلال الحربي دورًا مهمًا في هذه الحقيقة القانونية و الواقعية الجديدة ، و يمكن ذكر الاحتلالات التالية: احتلال بلجيكا وأجزاء من فرنسا من قبل القوات الألمانية ،و أجزاء من روسيا البيضاء من قبل القوات النمساوية المجرية ،و صربيا ومقدونيا من قبل القوات الألمانية والنمساوية المجرية والبلغارية ، و رومانيا من قبل القوات الألمانية والنمساوية المجرية والبلغارية ، و أجزاء من إيطاليا من قبل القوات النمساوية المجرية والألمانية ، وأجزاء من النمسا بواسطة القوات الروسية ، و  أجزاء من “لألزاسواللورين” بواسطة القوات الفرنسية ، وفلسطين من قبل القوات البريطانية نتيجة لغزو أراضيها  مارست الحكومة البلجيكية مهامها في “سانت أدريس” فرنسا .

منذ عام 1940، أُجبر عدد متزايد من الحكومات على الفرار من أوطانهم في مواجهة القوات المسلحة المعادية، وقد دعتها الحكومة البريطانية لتوطيد وجودها في المملكة المتحدة، فأصبحت “أوروبا المصغرة “متواجدةفي لندن ، فقد تواجدت ثماني حكومات أجنبية في إنجلترا: بلجيكا وتشيكوسلوفاكيا واليونان ولوكسمبورغ وهولندا والنرويج وبولندا ويوغوسلافيا. لدينا الآن “أوروبا المصغرة” في لندن. توجد حاليًا ثماني حكومات أجنبية في إنجلترا: بلجيكا وتشيكوسلوفاكيا واليونان ولوكسمبورغ وهولندا والنرويج وبولندا ويوغوسلافيا.

لقد أنشأ الجنرال ديغول لجنة عسكرية رئيسية في لندن ، وتتكون هذه اللجنة من ثمانية مفوضين على المستوى الوطني للاقتصاد والمالية والمستعمرات والشؤون الخارجية والحرب والبحرية والعدل والتعليم وكذلك الداخلية.

لم يقتصر الأمر علي استضافة و تنصيب حكومات المنفي لدي الدول  الأخرى مثل المملكة المتحدة و الولايات المتحدة  وكندا ، ولكن استضافت بعض الدول جيوش الدول المحتلة التي لجأت لهذه الدول، فقد منح الاتحاد السوفياتي القوات المسلحة البولندية الحقوق الكاملة لجيش وطني بولندي مستقل ، أما بلجيكا فكان لديها جيش في إنجلترا وطيارون في سلاح الجو الملكي حيث شكلت أسراب جوية منفصلة، كما نظمت تشيكوسلوفاكيا لواء مستقل وقوة جوية.

تشكلت الوحدة الهولندية في بريطانيا العظمى من حوالي 5000 مجند، وخدمت الأسراب الجوية الهولندية مع سلاح الجو الملكي البريطاني، كما أقيمت معسكرات تدريب نرويجية في إنجلترا واسكتلندا وتورنتو وعلى الساحل الكندي لإيواء الطيارين النرويجيين وضباط البحرية والبحارة والجنود، وكان الجيش البولندي هو أكبر القوات المسلحة لحكومات المنفى.

يشير مفهوم الحكومة في المنفى إلى مجموعة سياسية مؤقتة تدعي أنها حكومة شرعية لبلد معين، و بشكل عام ، الحكومة في المنفى غير قادرة على ممارسة سلطتها القانونية وتقيم في بلد أجنبي ، وغالبا ما تنشأ وتنصب  الحكومة في المنفى أثناء الاحتلال في زمن الحرب ، وفضلا عن  الحرب  العالمية  الأولي ، تعد الحرب  العالية الثانية 1939-1945 المثال الصارخ الذي شهد العديد من حكومات المنفي للدول  التي احتلها النازي هتلر ، حيث انتقلت حكومات الدول المحتلة لعواصم أوربية ريثما انتهت  الحرب و عادت ثانية لتمارس سلطاتها و اختصاصاتها المعتادة علي أقاليمها .

هناك عدد من المسائل القانونية والواقعية التي تحكم إنشاء مثل هذه الحكومات فضلا عن الاعتراف بها من جانب الدولة التي تستضيف هذه الحكومة و سائر الدول .

بادئ ذي بدء تنشأ حكومات المنفي بعد مطالبة فرد أو مجموعة أفراد بالسلطة العليا على بلد ما وهو البلد الذي تم احتلاله ولم تعد حكومة الدولة الشرعية قادرةعلي ممارسة سلطاتها واختصاصاتها علي إقليمها بشكل طبيعي ومعتاد ومستقر.

تقوم الدولة المضيفة لحكومة المنفي بقبول الشخص  أو مجموعة الأشخاص الممثلين في المنفي للدولة المحتلة بإعادةالاعتراف بهم من قبل الدولة المضيفة كسلطة عليا على ذلك البلد الآخر ، وتقوم أيضا سائر الدول المعترفة سالفاً بهذه الحكومة بإعادة الاعتراف بهم نتيجة الظروف الاستثنائية الجديدة حتي تقطع علي المحتل أي محاولات لتنصيب حكومات جديدة موالية لذلك المحتل كما حدث في فرنسا ” حكومة فيشيي العميلة لألمانيا المحتلة “، فالحصول على الاعتراف الدبلوماسي من قبل الدول ذات السيادة يعد أحد مقومات استمرار بقاء الدولة المحتلة و الممثلة بحكوماتها في المنفي .

قد تقوم الحكومة في المنفى بأنواع عديدة من الإجراءات في إدارة شؤونها اليومية المرتبطة بإقليم وشعب الدولة المحتل وتشمل هذه الإجراءات: الانضمام إلى معاهدة ثنائية أو دولية،تعديل أو مراجعة دستورها،الحفاظ على القوات العسكرية والمثال الصارخ في هذا الصدد هو الحكومة الفرنسية في لندن التي شكلها الجنرال ديجول.

أيضا تقوم حكومة المنفي بإصدار بطاقات الهوية،السماح بتكوين أحزاب سياسية جديدة، إجراء إصلاحات ديمقراطية، وإجراء الانتخابات.

 

عن الأول نيوز

شاهد أيضاً

القوي في الداخل، قوي في الخارج !!

محمد داودية – الأول نيوز – تستحوذ قضايا الإصلاح الاجتماعي على نزر يسير من اهتمامات …