الخوري أنطوان الدويهيّ –
الأول نيوز – كنتُ متوجِّهًا يومًا إلى أحد المطاعم عندما أحسستُ أنَّ شخصًا التصق بي وكاد يوقعني أرضًا. ولكنَّني تمالكتُ نفسي عن السقوط وتابعتُ سيري نحو المطعم بعدما اعتذر منّي الرجل بلباقة متناهية.
بعد الغداء طلبتُ الفاتورة ومددتُ يدي لأخرج محفظتي من جيبي الخلفيّ فلم أجد المحفظة. شعرتُ بالخجل الشديد واحترتُ ماذا أفعل. لم أفكِّر يومها بالأوراق الهامَّة الموجودة في المحفظة ولا بما تحوي من مال، فكلُّ همّي كيف أسدِّد فاتورة الغداء. وإذا بالنادل يأتي صوبي ليقول لي: “لقد سدَّد الشابّ القاعد هناك حسابك، إذ رآك تبحث عن مالك فلا تجده”. نظرتُ إلى الشابّ فابتسم لي. قمت إليه وصافحته وأعدتُ له الابتسامة بمثلها شاكرًا إيَّاه بحرارة على إنقاذي من موقفي المحرج. توجَّهتُ إلى الحمَّام وبكيتُ بمرارة، ثمَّ غسلتُ وجهي، وهممتُ بالخروج من المطعم عندما ناداني النادل مجدَّدًا وطلب منّي مرافقته إلى مكتب المدير. راحت الأسئلة تتراكم في ذهني: ماذا يريد المدير؟ لماذا يستدعيني؟ ألم تسدَّد فاتورة الغداء؟…
قادني النادل إلى مكتب المدير. استقبلني المدير بكلِّ ترحاب وطلب منّي القعود وطلب لي فنجانًا من القهوة أمام استغرابي من كلِّ تصرُّفاته. وإذا به يباشر الكلام قائلاً: “أعرف أنَّك مستغرب من كلِّ ما يجري الآن، لكن، كنْ على يقين إنَّ الإنسان الصادق لا بدَّ من أن يعينه الله. انظرْ، قلَّما أنظر إلى شاشات المراقبة هذه، ولكن لفت نظري حادث جرى بسرعة كبيرة. بينما كنتَ تمرُّ من أمام المطعم صوب المدخل، لمحتُ شابًّا يقترب منك وبسرعة البرق يرتطم بك ويسرق محفظتك من جيبك الخلفيّ. وبعد دخولك، وقف قرب الحائط وفتح المحفظة ولم يلبث أن دخل خلفك إلى المطعم. وعند انتهائك من تناول طعامك، رأيته يدفع عنك الحساب. في هذه الأثناء اتَّصلتُ بالشرطة فأتى رجال الشرطة وشاهدوا الفيديو ودخلوا على الشابّ واقتادوه إلى المخفر، وطلبوا منّي أن أقول لك أن تتوجَّه إلى المخفر في نهاية الشارع لتدلي بإفادتك وتأخذ ما لك…
أشكر الله على التطوُّر العلميّ والتكنولوجيّ الذي وصلنا إليه اليوم، فلولا كاميرات المراقبة لما استطعتُ استرجاع محفظتي وما فيها، ولكنتُ حتَّى الساعة ممتنًّا لذاك اللصّ الذي، وإن كان هو السارق، أنقذني من العار إذ دفع عنّي فاتورة الغداء.
في الحياة، أحيانًا كثيرة يلقى الشريف نظرات الاحتقار والمهانة عند وقوعه في موقف لا يُحسد عليه، بينما يلقى السارق كلَّ الاحترام والتقدير على تصرُّفه اللبق إذ يقوم بتسديد حساب المسروق ماله. وما نقوله عن السارق اللبق يُطبَّق أيضًا على الكاذب اللبق اللسان. فكم من إنسان محتال ينال ما يريد بكلامه المعسول المنمَّق، وكم من إنسان صادق لا يصدِّقه الآخرون.
فلا ننخدعنَّ بالمظاهر الخدَّاعة ولا بالكلام المعسول والأقنعة المزيَّفة المزخرفة، فلا بدَّ للمحتال أن ينفضح يومًا ويسقط القناع وتبان الحقيقة. فما من مستور إلاَّ سيُعلم ويُعلن مهما طال الدهر عليه.