المنتخب وتعزيز الهوية

 

المحامي الدكتور إبراهيم الطهاروة –

 

الأول نيوز – في نهائي كأس العرب، لم يكن المشهد مجرد مباراة كرة قدم، بل لحظة كاشفة لوعيٍ جمعيّ أردنيّ ناضج، عبّر عن نفسه بحضورٍ جماهيريّ هائل وغير مسبوق، اتّسم برقيّ السلوك، وجمالية التشجيع، وسموّ الأخلاق، وارتفاع منسوب الانضباط في المدرجات.

بشهادة كل العرب كان الجمهور الأردني عنوان الحدث، لا تابعًا له؛ وظهرت الوطنية الصافية في تعلق الناس بالعَلم والشماغ والمنتخب، بوصفه تمثيلًا للبلد والهوية، لا مجرد فريقٍ رياضي.

غير أنّ هذا المشهد المشرق كشف، في المقابل، فجوة واضحة في الاستعداد الرسمي والإداري الذي من واجبه دعم المنتخب. فالدعم المؤسسي للجماهير غاب او جاء متأخرًا، ومبادرات الإسناد التي أطلقتها الملكية الأردنية من خلال تسيير ثماني طائرات إضافية بسعر مخفض جدًا لم تكن على مستوى الحدث ولا توقيته، إذ كان الأَولى الإعلان عنها مسبقًا، ضمن خطط جاهزة تُفعَّل تلقائيًا عند وصول المنتخب إلى مراحل متقدمة، لا أن تُترك للارتجال بعد تحقق الإنجاز.

الأهمّ من ذلك أن الجماهير الأردنية -التي لم يسعفها الحظ او الوقت او القدرة على التواجد في الملعب- عبّرت بوضوح عن رغبتها في التشجيع الجماعي المنظّم. وبالرغم من بثّ المباريات عبر قنوات مفتوحة، إلا أننا شهدنا إقبالًا واسعًا على المقاهي وأماكن التجمع، في ظاهرة صحية من حيث المبدأ، لكنها استُغلّت اقتصاديًا بفرض دخوليات مرتفعة، دون معايير تنظيمية أو رقابية واضحة. وهذا يقودنا إلى ضرورة الاستعداد الجاد لكأس العالم، باعتباره حدثًا وطنيًا سياسيّ الأثر، لا ترفًا رياضيًا.

تشجيع المنتخب ليس متعة عابرة، بل فعل انتماء، وأداة لتعزيز الروح الوطنية والوحدة المجتمعية. وعليه، يصبح لزامًا إعداد خطة وطنية واضحة لترخيص ساحات مشاهدة جماهيرية بمواصفات آمنة، مريحة، وصحية، تراعي الكثافة السكانية، على أن يتوافر في كل لواء وبلدة ومنطقة مركز لائق واحد على الأقل، رسمي او شعبي مع محطة أمنية وفِرق سلامة عامة خصوصا مع حقوق البث الحصري للمونديال التي لا يملك الجمع القدرة على شرائها.

كما يقتضي الأمر مواءمة التقويم الدراسي للمدارس والجامعات، والنظر في تعديل ساعات الدوام الحكومي في اليوم التالي لكل مباراة يخوضها المنتخب كون البث سيكون فجرا. ولا يقلّ أهمية عن ذلك الشروع منذ الآن في إعداد خطط نقل المشجعين وبرامج الإقامة، بالتعاون مع شركات السياحة، وتقديم برنامج تحفيزي وبحدّه الأدنى إعفاءات ضريبية على تذاكر السفر والخدمات السياحية المرتبطة بالحدث والإعلان عنه من الان.

إن التحضير الكروي لا يكتمل دون تحضير إداري–رسمي موازٍ، يُعلن مبكرًا، ويمنح المواطنين الوقت الكافي لتنظيم شؤونهم، ويحوّل هذا الاستحقاق التاريخي إلى مشروع تعزيز وطني وإبراز لهوية الأردن، كما يليق بدولةٍ وشعب .

عن الأول نيوز

شاهد أيضاً

حذاري حذاري من جماعة الخبر السريع

الاول نيوز – القس سامر عازر في زمن الحروب المفتوحة، لم تعد المعركة فقط على …