الأول نيوز – د. مارسيل جوينات
أصبح الإعلام الرقمي أحد أكثر المجالات تأثير في تشكيل الرأي العام، لما يتميز به من سرعة الانتشار واتساع دائرة المشاركة، حيث لم يعد المتلقي مجرد مستهلك للمعلومة، بل فاعل في إنتاجها وتداولها. هذا التحول العميق فرض تحديات جديدة على المجتمعات والدول، ودفع إلى طرح نظام الإعلام الرقمي المقترح بوصفه أداة لتنظيم هذا الفضاء المفتوح. غير أن التعامل مع هذه الخطوة يقتضي قراءة نقدية واعية تتجاوز القبول التلقائي أو الرفض المطلق.
ينطلق النظام المقترح من افتراض أساسي مفاده أن الفوضى الرقمية، وانتشار الأخبار الزائفة، وخطاب الكراهية، هي نتائج مباشرة لغياب التنظيم القانوني. ورغم وجاهة هذا الافتراض، إلا أن التفكير النقدي يفرض التساؤل حول ما إذا كانت المشكلة تكمن في غياب التشريع، أم في ضعف تفعيل القوانين القائمة. فالتشريع وحده لا يكفي لمعالجة سلوكيات رقمية معقدة، ما لم يتم دعمه بسياسات تعليمية وإعلامية تعزز الوعي لدى المستخدمين.
كما يثير النظام إشكالية تتعلق بدقة المصطلحات المستخدمة في صياغته، إذ إن الاعتماد على مفاهيم عامة ومرنة قد يفتح الباب أمام تفسيرات متباينة، وربما متناقضة. فمصطلحات مثل المحتوى الضار أو الإخلال بالنظام العام، إذا لم يتم تحديدها بمعايير واضحة، قد تتحول من أدوات تنظيم إلى وسائل تفيد المستخدم. لذا يجب ان يتم توضيح اللغة القانونية لضمان العدالة والحد من التعسف في التطبيق.
كما يطرح النظام تساؤلات جوهرية حول التوازن بين حرية التعبير والمسؤولية القانونية. فمساواة صناع المحتوى الأفراد بالمؤسسات الإعلامية في الواجبات والعقوبات قد تؤدي إلى نتائج غير عادلة، لذا يجب الاخذ بعين الاعتبار لاختلاف والإمكانات والخبرة والمعرفة وحجم التأثير. ويقتضي المنطق النقدي اعتماد مبدأ التدرج في المسؤولية، بحيث تتناسب الالتزامات القانونية مع حجم الدور والتأثير في الفضاء الرقمي.
وتبرز مسألة في غابة الأهمية وهي: قابلية تطبيق النظام على أرض الواقع، خاصة في ظل التدفق الهائل للمحتوى الرقمي الذي لا حدود له.
فالتشريع الذي لا يراعي الإمكانات التقنية والمؤسساتية المتاحة قد يتحول إلى نص نظري فاقد للفعالية. لذا، فإن اعتماد آليات تشاركية مع المنصات الرقمية، بدل الرقابة الشاملة، يحمل الخيار الاكثر واقعية واستدامة.
إن نجاح أي نظام إعلامي رقمي يرتبط بدرجة إشراك الفاعلين المعنيين في صياغته، مثل الصحفيين، وصناع المحتوى، والاكاديميين وخبراء التكنولوجيا، والمجتمع المدني. فالتشريعات التي يتم صياغتها بمعزل عن النقاش العام فأنها تواجه صعوبات في القبول والتطبيق.
ويشكّل فتح قنوات الحوار وإقرار آليات مراجعة دورية للنظام ضمانة أساسية لمواكبته للتحولات المتسارعة في المجال الرقمي.
في المحصلة، يكشف النقد البنّاء لنظام الإعلام الرقمي المقترح أن التحدي الحقيقي لا يكمن في مبدأ التنظيم ذاته، بل في كيفية صياغته وتطبيقه. فالنظام المتوازن هو الذي يحمي المجتمع من مخاطر الفضاء الرقمي، دون أن يمس جوهر حرية التعبير والذي هو اساس العمل الإعلامي والصحفي وحتى صانعي المحتوى على منصات التواصل الاجتماعي والذين يحملون احياناً رسالة، وعلى نظام الإعلام الرقمي المقترح ان يستند إلى التفكير النقدي بوصفه أداة للتقويم المستمر لا وسيلة للرفض أو الإقصاء.