الاول نيوز – الدكتور أحمد الطهاروة – الأول نيوز –
في وقتٍ تتسارع فيه تحولات العالم، يقف الأردن أمام مشروع قانون التربية والتعليم وتنمية الموارد البشرية لسنة 2026، بوصفه محاولة جادة لإعادة صياغة واحدة من أهم ركائز الدولة: التعليم.
القانون، الذي أنهى مراحله في مجلس النواب، لا يأتي كتعديل تقني، بل كمشروع يحمل طموحاً أكبر: توحيد المرجعيات التعليمية، وربط مخرجاتها بسوق العمل، وإعادة تعريف دور المدرسة والجامعة في بناء الإنسان لا مجرد تخريج الشهادات.
من حيث الفلسفة، نحن أمام انتقال واضح من تعليم تقليدي قائم على الحفظ، إلى تعليم يفترض أن يقوم على المهارة والإنتاج. وهذه نقلة، إن تحققت، ستكون مفصلية في معالجة واحدة من أخطر أزماتنا: فجوة التعليم وسوق العمل.
لكن، وهنا بيت القصيد، ليست المشكلة في النصوص.
فالأردن، تاريخياً، لا يعاني من ضعف التشريع، بل من فجوة التنفيذ. لدينا قوانين متقدمة، لكنها كثيراً ما تصطدم بواقع إداري تقليدي، وبيروقراطية تُبطئ أي إصلاح حقيقي.
القانون الجديد، رغم أهميته، يطرح تساؤلات مشروعة: هل سيؤدي توحيد المرجعيات إلى كفاءة أعلى، أم إلى مركزية مفرطة تُقيّد المبادرة؟ وهل يكفي تغيير الهيكل، دون تغيير الثقافة المؤسسية، لإحداث التحول المنشود؟
الأخطر من ذلك، أن بعض النصوص التي تقلّص إمكانية الطعن في قرارات تعليمية حساسة، تفتح باباً لنقاش دستوري حول ضمانات العدالة وحق التقاضي، وهو أمر لا يجوز التعامل معه بخفة في قطاع يمس مستقبل الأجيال.
ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن هذا القانون يحمل فرصة حقيقية. فإذا ما طُبّق بروح إصلاحية، وبإدارة حديثة، فقد يساهم في تخفيض معدلات البطالة بين الخريجين وتعزيز جودة التعليم وربطه الإنتاج وبناء رأس مال بشري قادر على المنافسة إقليمياً ودولياً
أما إذا بقي أسير الأدراج والتطبيق الشكلي، فسنكون أمام نسخة جديدة من أزمة قديمة، ولكن بعنوان مختلف.
الحقيقة التي يجب أن تُقال بوضوح: التعليم لا يُصلح بقانون فقط، بل بإرادة دولة.
القانون خطوة، لكنه ليس الحل. والرهان الحقيقي ليس على النص، بل على من سيطبّق النص.
في النهاية، نحن أمام خيارين لا ثالث لهما: إما أن يكون هذا القانون بداية تحول حقيقي في مسار التعليم الأردني… أو أن ينضم إلى قائمة طويلة من القوانين التي كُتبت جيداً، ولم تُنفّذ كما يجب.