السبت , يوليو 4 2026

النفايات المتراكمة في غزة.. كارثة صامتة تتسع يومًا بعد يوم

الأول نيوز – لم تعد أكوام النفايات في مدينة غزة مجرد مظهر من مظاهر الدمار الذي خلّفته حرب الاحتلال على كل أشكال الحياة، بل تحوّلت إلى تهديد يومي يلاحق السكان ويضاعف معاناتهم. ففي كل شارع، وبين المنازل المدمرة وخيام النزوح، تتكدس آلاف الأطنان من المخلفات، بينما يعجز السكان عن الاحتماء من الروائح الخانقة، وأسراب الحشرات، والقوارض التي باتت تحاصر حياتهم، في ظل انهيار شبه كامل لمنظومة النظافة العامة. ومع استمرار استهداف البنية التحتية وشلل عمل البلديات نتيجة نقص الآليات والوقود والإمكانات، تتفاقم الأزمة يومًا بعد يوم، لتتحول النفايات إلى بؤر مفتوحة للأوبئة والأمراض، تهدد صحة مئات آلاف الفلسطينيين، ولا سيما الأطفال وكبار السن والمرضى، وبينما تتسع رقعة التلوث، يحذّر مختصون من أنّ غزة تقف أمام كارثة بيئية وصحية غير مسبوقة، قد تمتد آثارها لسنوات، ما لم يحصل تدخل عاجل يوقف هذا التدهور المتسارع.

السكان يواجهون النفايات يوميًا

لا تقتصر أزمة تراكم النفايات على المشهد العام في الشوارع، بل أصبحت جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية للغزيين، الذين يعيشون وسط روائح كريهة وانتشار كبير للحشرات والقوارض، في ظل مخاوف متزايدة من انعكاساتها الصحية.

يقول المواطن أحمد عيسى، “إنّ تراكم النفايات بات يشكّل عبئًا يوميًا على العائلات، كما أنّ بقاء المخلفات لفترات طويلة بالقرب من المنازل والخيام جعل المواطنين يعيشون ظروفًا غير إنسانية”. ويضيف عيسى: “النفايات تتراكم أمام منازلنا لأيام طويلة، ولا نستطيع فتح النوافذ بسبب الروائح الكريهة التي أصبحت تملأ المكان، خصوصًا مع ارتفاع درجات الحرارة. الوضع أصبح لا يُحتمل، فالحشرات تنتشر بشكل كبير، والأطفال هم الأكثر تضررًا، لأنّهم أكثر عرضة للأمراض نتيجة وجود هذه المخلفات بالقرب من أماكن السكن”.

ولا تتوقف الأزمة عند الأحياء السكنية، بل تمتد إلى مخيمات النزوح التي تضم آلاف العائلات، حيث تتراكم النفايات بالقرب من الخيام وسط نقص الخدمات الأساسية وصعوبة الظروف الإنسانية. ويصف النازح ياسر مهدي واقع العائلات في المخيمات قائلًا: “الخيام محاطة بالنفايات من كل جانب، ولا نجد مكانًا آمنًا للأطفال للعب أو الحركة، فنحن نخشى عليهم من الحشرات والأمراض التي قد تنتقل بسبب هذه المخلفات”.

710 ألف متر مكعب من النفايات المتراكمة

تُقدّر البيانات المتقاطعة الصادرة عن الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، وسلطة جودة البيئة، وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) لعام 2026، حجم النفايات الصلبة غير المجمعة والمنتشرة بين خيام النزوح وركام الأحياء في قطاع غزة بنحو 710,000 طن. وينتج القطاع المكتظ حالياً ما يزيد عن 5,000 متر مكعب من النفايات اليومية الجديدة، دون وجود منظومة قادرة على استيعابها.

ويؤكد المتحدث باسم بلدية غزة حسني مهنا أنّ مدينة غزة تعيش واحدة من أخطر الأزمات البيئية في تاريخها، بعدما تحوّلت أزمة النفايات من مشكلة خدمية إلى تهديد مباشر للصحة العامة والبيئة. ويكشف مهنا، في حديثه لـ”بوابة الهدف”، أنّ “حجم النفايات المتراكمة داخل مدينة غزة فقط تجاوز 370 ألف متر مكعب من النفايات الصلبة، وهي كميات تفوق قدرة البلدية الحالية على جمعها وترحيلها في ظل الإمكانيات المحدودة والظروف الميدانية المعقدة”. ويعزو تفاقم الأزمة إلى عدة عوامل، أبرزها: “منع طواقم البلدية من الوصول إلى مكب جحر الديك الرئيس شرق المدينة، وتدمير الاحتلال 135 آلية ومركبة بلدية، بما فيها شاحنات جمع النفايات والآليات الثقيلة، إضافة إلى النقص الحاد في الوقود والزيوت وقطع الغيار، واستمرار القيود على إدخال المعدات الجديدة”. كما يشير إلى أنّ وجود أكثر من 25 مليون طن من الركام داخل مدينة غزة أدّى إلى إغلاق العديد من الطرق وإعاقة وصول طواقم النظافة إلى مناطق واسعة، بالتزامن مع ارتفاع الكثافة السكانية بسبب النزوح، ما رفع إنتاج النفايات إلى مستويات غير مسبوقة.

والجدير ذكره أنّ المكبّات المركزية المهندسة بيئياً (مثل حجر الديك في شمال القطاع ومكب الفخاري في جنوبه) تقع في مناطق تمنع العمليات العسكرية أو القيود الأمنية من الوصول إليها.مما أدى إلى انتشار أكثر من 140 مكباً عشوائياً في قلب التجمعات السكنية المؤقتة حسب ما ذكره تقرير لبلدية غزة ومجلس البلديات.

انهيار منظومة النظافة وبيئة حاضنة للأمراض

يوضح مهنا أنّ الحرب شلّت جزءًا كبيرًا من قدرة البلدية على تقديم خدمات النظافة، بعد فقدان معظم أسطول الآليات وتضرر الطرق والبنية التحتية، مشيرًا إلى أنّ عمليات الجمع والترحيل تتمّ حاليًا بإمكانات محدودة ومن خلال الاستعانة بآليات القطاع الخاص ضمن مشاريع تشغيل طارئة، مبينًا أنّ هناك مناطق يصعب الوصول إليها، خاصة المناطق التي تشهد دمارًا واسعًا أو الواقعة في مناطق تخضع لسيطرة الاحتلال، إضافة إلى بعض مخيمات النزوح المقامة بعيدًا عن الطرق الرئيسة.

ويحذّر مهنا من أنّ” استمرار تراكم النفايات يُنذر بعواقب صحية وبيئية خطيرة، تشمل انتشار الحشرات والقوارض، وزيادة احتمالات الإصابة بالأمراض الجلدية والمعوية والتنفسية والمعدية، إلى جانب انبعاث الروائح الكريهة والغازات الضارة”.

وقد تحوّلت التجاويف الرطبة في ركام البيوت وتلال النفايات إلى حاضنات مثالية لتكاثر القوارض، والذباب، والبعوض، والحشرات الطفيلية. وتؤكد تقارير اليونيسف رصد هذه الناقلات في 80% من مراكز الإيواء.(نقلا عن وزارة الصحة ومجلس بلديات قطاع غزة)

وسجّلت الطواقم الطبية طفرة في الإصابات بالأمراض الجلدية المعدية (كالجرب الشديد، والدمامل التقرّحية، والليشمانيا) في 48% من مخيمات النزوح، بالتوازي مع تفشّي التهاب الكبد الوبائي (أ) والنزلات المعوية الحادة نتيجة تلوث الأيدي ومصادر المياه

ونظراً للانعدام الكامل لغاز الطهي والوقود، تعتمد العائلات على حرق البلاستيك والمخلفات الصلبة لإشعال النار. يؤدي هذا الاحتراق غير الكامل إلى انبعاث غازات شديدة السمية (مثل الديوكسينات والفيورانات)، والتي تسبب تهيجاً حاداً في الجهاز التنفسي، وتفاقم الأزمات الصدرية لدى الأطفال، فضلاً عن كونها مواد مسرطنة على المدى الطويل. مع تدمير البنية التحتية للصرف الصحي بنسبة تتجاوز 90%، تتدفق المياه العادمة لتختلط مباشرة بتلال النفايات بين الخيام، مما ينتج عنه بيئة لاهوائية غنية بالبكتيريا المعوية ومسببات الكوليرا.

جهود لمواجهة الأزمة

وفيما يتعلق بموقع تجميع النفايات في سوق فراس، يوضح مهنا أنّ البلدية اضطرت إلى استخدامه كموقع مؤقت خلال الحرب بعد تعذّر الوصول إلى المكب الرئيس شرق المدينة، مشيرًا إلى أنّ الطواقم تعمل على نقل النفايات إلى مكب أرض أبو جراد كلما توفرت الآليات والوقود، معربًا عن أمله في الانتهاء من هذه الأعمال خلال الشهرين المقبلين إذا استمرت الإمكانيات التشغيلية. ويؤكد أنّ الحد من تفاقم الأزمة يتطلب بصورة عاجلة إدخال آليات وشاحنات جديدة، وتوفير الوقود وقطع الغيار، وإدخال معدات ثقيلة لإزالة الركام، وفتح المجال للوصول إلى المكب الرئيس، إلى جانب توفير الدعم المالي والفني للبلديات.

ويختتم مهنا حديثه بدعوة المواطنين إلى التعاون مع طواقم البلدية، وتجنّب إنشاء مكبات عشوائية بالقرب من أماكن السكن والخيام، مطالبًا المجتمع الدولي بالتدخل العاجل لتوفير الإمكانيات اللازمة للبلديات وتمكينها من استعادة الحد الأدنى من الخدمات الأساسية.

كارثة مفتوحة

يحذّر خبراء البيئة من كارثة بيئية وصحية بغزة في حال استمرار تراكم النفايات. ويصف رئيس المعهد الوطني للتنمية والبيئة الدكتور أحمد رامي الواقع البيئي في القطاع بأنّه “إبادة بيئية ممنهجة”، مؤكدًا أنّ الحرب لم تستهدف الإنسان والبنية العمرانية فقط، بل طالت أيضًا مكونات البيئة التي تشكل أساس استمرار الحياة. ويقول رامي، في حديثه لـ”بوابة الهدف”: “إنّ أزمة النفايات أصبحت واحدة من أخطر مظاهر التدهور البيئي، ويشكّل تراكم المخلفات في المناطق السكنية ومخيمات النزوح تهديدًا مباشرًا للصحة العامة والبيئة”.

ويشرح د. رامي عن التحلل العشوائي للنفايات وما ينتجه من عصارة ملوّثة قد تصل إلى التربة والمياه الجوفية، ويشكّل خطراً صامتاً يُهدد الغطاء النباتي والأمن الغذائي، كما يؤدي إلى تسرب مواد كيميائية سامة ومعادن ثقيلة ومواد بلاستيكية دقيقة إلى أعماق التربة، يقتل الكائنات الحية الدقيقة ويفقد الأرض خصوبتها بشكل دائم.

حلول مؤقتة بانتظار إعادة بناء المنظومة

وعن الحلول العاجلة، يوضح د. رامي أنّ المرحلة الحالية تحتاج إلى إجراءات طارئة للحد من المخاطر، تشمل إنشاء مواقع مؤقتة وآمنة لتجميع النفايات بعيدًا عن التجمعات السكنية، وتعزيز عمليات الجمع والترحيل، وتوفير الوقود والآليات اللازمة لعمل البلديات. كما يشدد على ضرورة التعامل مع النفايات الطبية والخطرة بشكل منفصل، ومراقبة مواقع التجميع المؤقتة لمنع تسرّب الملوّثات إلى البيئة، مؤكدًا أنّ هذه الإجراءات تبقى حلولًا إسعافية لا تغني عن خطة شاملة لإعادة تأهيل قطاع النفايات والبيئة في غزة.

بالمحصّلة، ومع استمرار تراكم آلاف الأطنان من النفايات في الشوارع ومخيمات النزوح، تتسارع وتيرة الكارثة البيئية والصحية في قطاع غزة، بينما يواجه السكان خطرًا يهدّد حياتهم كل يوم، وفي ظل عجز البلديات وانهيار الخدمات الأساسية، لم تعد الأزمة تحتمل مزيدًا من التأجيل، إذ يحذّر مختصون من أنّ استمرار هذا الواقع يُنذر بتفشي الأوبئة واتساع رقعة الأمراض، لتتحول النفايات من مخلفات متراكمة إلى تهديد وجودي يطال الإنسان والبيئة، ما لم يُصر إلى تحرك عاجل يوقف تفاقم الكارثة. (بوابة الهدف)

عن الأول نيوز

شاهد أيضاً

انخفاض أسعار الذهب محليا الخميس.. و”عيار 21″ عند 83.7 دينارا

الأول نيوز – انخفضت أسعار الذهب في السوق المحلية الخميس، ليبلغ سعر بيع غرام الذهب …