الاول نيوز – صلاح ابو هنّود
مخرج وكاتب
لا يمكن مقاربة “الصهيونية” بوصفها مجرد حركة سياسية ولدت في أواخر القرن التاسع عشر؛ بل هي في جوهرها مشروع استعماري إحلالي وأيديولوجيا قومية متطرفة، استعارت صيغاً دينية لتبرير غايات سياسية وجغرافية. إن تعقيد الصهيونية يكمن في قدرتها على التلون والامتداد، بحيث لم تعد تقتصر على شريحة يهودية محددة، بل تحولت إلى “شبكة مصالح وأفكار” عابرة للقوميات والأديان، بما في ذلك المحيط العربي.
أولاً: تعريف الصهيونية ومن هو “الصهيوني”؟
التعريف البنيوي للصهيونية:
الصهيونية هي حركة سياسية قومية نشأت في أوروبا، استندت إلى الفكر الاستعماري الغربي السائد في القرن التاسع عشر. قامت على فكرة “تجميع اليهود” في وطن قومي (فلسطين) عبر اقتلاع وتشريد سكانها الأصليين. إنها أيديولوجيا تُزاوج بين ثلاثة عناصر: الاستعمار الإحلالي، الفوقية العرقية، وتوظيف النص الديني كصك ملكية سياسي.
من هو “الصهيوني”؟ (خارج حدود العرق والدين)
الصهيوني في المنظور العريض ليس بالضرورة شخصاً يهودياً؛ بل هو كل من يؤمن أو يدعم أو يساهم في تكريس المنظومة السياسية والإحلالية للمشروع الصهيوني على حساب الحقوق الطبيعية والتاريخية للشعب الفلسطيني والمنطقة العربية. وبناءً على هذا، يتوزع الصهاينة عبر أبعاد متعددة:
الصهيونية المسيحية (الغربية): هي من أقدم وأخطر الروافد. تؤمن أيديولوجيا “التدبير الإلهي” () في بعض الكنائس الإنجيلية الغربية (خاصة في أمريكا) بأن تجميع اليهود في فلسطين هو شرط ديني مسبق لـ “المجئ الثاني”. هؤلاء صهاينة أيديولوجيون يتقدمون أحياناً في تطرفهم على الصهاينة اليهود، ويمثلون قاعدة الدعم المالي والسياسي الأكبر في الغرب.
الصهيونية السياسية والنفعية (الأممية): تشمل النخب السياسية والاقتصادية الغربية والعالمية التي ترى في إسرائيل “قاعدة متقدمة” لحماية المصالح الإمبريالية في الشرق الأوسط. الصهيوني هنا هو “الانتهازي” الذي يتقاطع مع المشروع لحفظ نفوذه ومصالحه الجيوسياسية.
الصهيونية العربية (الوظيفية): نشأ في الفضاء العربي تحول خطير أنتج ما يمكن تسميته بـ “الصهيونية الوظيفية” أو “العربية”. الصهيوني العربي ليس يهودياً بالدين، بل هو منخرط في تبني الرواية الصهيونية، أو مستعد للتضحية بالأمن القومي العربي والقضية الفلسطينية في سبيل تفاهمات سلطوية أو اقتصادية مع الاحتلال. يتجلى هذا في تيارات تدعو إلى “تصفية الوعي” وتجريم المقاومة، وتبني مفاهيم “السلام الدافئ” التي تتجاوز الحقوق التاريخية بالكامل.
ثانياً: أبعاد العداء الصهيوني وتجلياته المعاصرة
يتجاوز العداء الصهيوني حدود التدمير العسكري المباشر في فلسطين إلى أبعاد أعمق تستهدف صياغة العالم والمنطقة:
البُعد الثقافي والوجودي (محو الآخر): تسعى الصهيونية إلى تفكيك الهويات الأصيلة. في فلسطين، يتخذ العداء شكل “إبادة ثقافية” لطمس المعالم العربية، وفي الجوار العربي والعالم يتخذ شكل “كيّ للوعي” لإقناع الشعوب بأن وجود إسرائيل حتمية تاريخية، وبأن ثقافة المقاومة أو التمسك بالهوية هي نوع من “الإرهاب أو معاداة السامية”.
البُعد الجيوسياسي (التفتيت الممنهج): يقوم الأمن الصهيوني على عقيدة “إضعاف المحيط”. العداء هنا يترجم إلى دعم هندسة الحروب الأهلية، والاضطرابات، والتقسيم الطائفي والعرقي في الدول العربية والإقليمية المحيطة، لمنع قيام أي كتلة حضارية أو سياسية عربية متماسكة يمكنها قيادة النهوض.
البُعد الأخلاقي العالمي (سياسة الاستثناء): يمثل الفكر الصهيوني تهديداً للمنظومة القانونية والأخلاقية العالمية؛ إذ يفرض حالة من “الاستثناء الدائم” فوق القانون الدولي، مما أدى إلى ابتزاز الضمير العالمي، وشلّ المؤسسات الدولية، وتحويل “حقوق الإنسان” إلى أداة انتقائية تُفقد العالم توازنه الأخلاقي.
ثالثاً: المقاربة الإستراتيجية للحلول (تفكيك البنية الصهيونية)
إن مواجهة مشروع بهذا التعقيد والامتداد لا يمكن أن أو تتم عبر أدوات تقليدية أو شعارات عاطفية؛ بل تتطلب حلولاً إستراتيجية، متعددة المستويات، تفكك أركان هذا الفكر وممارساته:
موقع الأول نيوز الأخباري كن أول من يعلم