الأول نيوز – مترًا فقط تفصلنا عن الخط الأصفر في شرق جباليا، شمال قطاع غزة؛ مسافة تبدو قصيرة على الأرض، لكنها هنا تكفي لتحويل كل خطوة إلى مخاطرة، أمامنا مكعبات إسمنتية صفراء تنتشر على امتداد المنطقة، وخلفها تمركز عسكري صهيوني تراقبه الكاميرات والمسيّرات، بينما تتوزع حولها بقايا منازل سُوّيت بالأرض وسواتر رملية تحجب ما وراءها.
نمشي بحذر، فيما يراقب أحمد أبو ربيع خطواتنا ويشير إلى المنطقة المحاذية للخط. يعرف المكان جيدًا؛ فهو ابن المنطقة التي كانت تضم بيوت عائلته قبل أن تغيّر الحرب ملامحها. هنا، يكفي أن ترفع هاتفك لتوثيق المشهد حتى يتحول التصوير نفسه إلى مصدر خوف.
جباليا ليست وحدها التي تعيش على هذه الحافة؛ فمن الشجاعية والشعف ومناطق أخرى بمحاذاة الخط، تتكرر حكايات السكان الذين وجدوا أنفسهم أمام حدود عسكرية جديدة تقيد حركتهم، وتفصلهم عن أراضيهم ومنازلهم، وتجعل الوصول إلى الماء أو العمل أو العلاج رحلة محفوفة بالمخاطر.
على امتداد هذا الخط، يتقاطع الخوف مع تفاصيل الحياة اليومية؛ فتيات يخرجن لجلب الماء، وأسر تتمسك بما تبقى من منازلها المدمرة، ونازحون يقيمون في مدارس الإيواء على مقربة من بيوتهم، فيما تتحول كل حركة في المناطق المكشوفة إلى احتمال مفتوح للخطر.
ومن بين الركام، تبدأ حكاية سكان اختاروا البقاء حيث بقيت لهم ذاكرة، حتى وإن كان المكان نفسه قد فقد معظم مقومات الحياة.
“لا تصوّري”.. الكاميرا في مرمى الخطر
يرافقنا أحمد في الطريق نحو المنطقة المحاذية للمكعبات الصفراء منذ الخطوات الأولى، ويشير بيده إلى السواتر الرملية المتقدمة، موضحًا أن الاقتراب من هذا الخط ليس مجرد حركة ميدانية عادية، بل دخول إلى مساحة تخضع لرقابة مستمرة، حيث لا تغيب المسيّرات عن السماء، ولا تتوقف أعين المراقبة عن تتبع الحركة على الأرض.
يقول أحمد “بات أبناء المنطقة يعرفون جيدًا الممرات الضيقة التي تقود إلى ما تبقى من منازلهم، وهي ممرات تشكلت بين الركام بفعل التكرار والخبرة اليومية، بينما يصعب على أي زائر تمييزها وسط مشهد واسع من الدمار ابتلع معالم المكان بالكامل. هنا، لم تعد الطرق تُرى بالعين بقدر ما تُحفظ بالذاكرة والخوف معًا”.
ومع كل خطوة نقترب فيها أكثر من الخط، يزداد توتر أحمد، وعندما أرفع هاتفي لتوثيق المشهد، يتوقف فجأة، ويمد يده بإشارة حاسمة، قائلًا بلهجة لا تحتمل النقاش: “لا تصوّري”.
لحظة صمت قصيرة تسبق تفسيره، ثم يوضح أن التجربة في هذه المنطقة علّمت السكان أن الكاميرا ليست مجرد أداة توثيق، بل قد تتحول إلى مصدر مباشر للخطر.
ويشرح أحمد أن بعض الشبان حاولوا سابقًا توثيق ما يجري قرب الخط، قبل أن يجدوا أنفسهم تحت مراقبة مكثفة من المسيّرات، وفي بعض الحالات ضمن دائرة استهداف، مؤكدًا أن مجرد رفع الهاتف أو محاولة التصوير قد يُنظر إليه باعتباره حركة غير آمنة في منطقة محفوفة بالمخاطر.
ويضيف، وهو يشير إلى السماء التي لا تهدأ فيها حركة الطائرات المسيّرة، أن الرقابة المستمرة تجعل توثيق الواقع الميداني قرب “الخط الأصفر” مهمة محفوفة بالمخاطر، حتى بالنسبة للسكان المحليين والصحفيين.
إنذار في الطريق.. “إسعاف”
لم نبتعد كثيرًا عن المكان حتى قطع المشهدَ الفتى ياسر، يركض تجاهنا بسرعة لافتة. كان يلهث، ويشير بيديه قبل أن يصل إلينا، طالبًا التوقف فورًا، ومحذرًا من مواصلة التقدم شمالًا.
بصوت متقطع، يروي أن مجموعة من الشبان تعرضت، قبل وقت قصير، لاستهداف من طائرة مسيّرة أثناء محاولتهم جمع الحطب من أحد المنازل المدمرة في المنطقة. يقول إن بعضهم أُصيب، بينما بقي آخرون في المكان، وسط صعوبة بالغة في الوصول إليهم أو نقلهم.
ويقول ياسر “لا يتعلق الخطر بالحادثة نفسها، بل بما يليها مباشرة؛ فبحسب وصفه، تواجه سيارات الإسعاف صعوبة في دخول المنطقة، بسبب الدمار الذي يعيق الحركة وخطورة الاقتراب من نقاط الاستهداف المحتملة، فضلًا عن غياب ضمانات لسلامة الطواقم الطبية أثناء محاولات الإنقاذ.
في هذه اللحظة، يتضح أن المأساة لا تتوقف عند لحظة القصف أو الاستهداف، بل تبدأ بعدها مباشرة. فالمصاب الذي يسقط في منطقة مكشوفة لا يواجه جراحه فقط، بل يواجه أيضًا انتظارًا قد يطول في ظل غياب ممرات آمنة تتيح الوصول إليه بسرعة.
المسافة التي تفصل السكان عن أقرب نقطة طبية، وغياب الطرق الآمنة، والخوف المستمر من تكرار الاستهداف، تجعل طلب الإسعاف عملية معقدة، قد تتأخر فيها الدقائق لتتحول إلى فارق حاسم في حياة المصاب. وفي بعض الحالات، يضطر الأهالي إلى التدخل بأنفسهم، رغم محدودية الإمكانات، في محاولة للوصول إلى المصابين قبل فوات الأوان. هكذا، يصبح الطريق إلى المصاب جزءًا من الخطر نفسه، وليس مجرد وسيلة للوصول إليه.
خوف يمتد على طول الطريق
يمتد تأثير الخط الأصفر إلى أكثر من منطقة في قطاع غزة؛ فمن جباليا والشجاعية والشعف إلى مناطق أخرى تقع بمحاذاته، يعيش السكان ظروفًا متشابهة من الخوف والقيود العسكرية والدمار.
تختلف التفاصيل من منطقة إلى أخرى، لكن المشهد يكاد يكون واحدًا: مكعبات صفراء تحدد نطاقًا لا يستطيع المدنيون الاقتراب منه، أراضٍ جُرّفت، منازل دُمرت، وحركة سكان باتت مرتبطة بمسارات محدودة ومحفوفة بالمخاطر.
ولا يتوقف هذا الخوف عند حدود المناطق السكنية، بل يمتد إلى شارع صلاح الدين، الذي يتحول بالنسبة للسائقين والركاب إلى مساحة من القلق اليومي. فكل رحلة عبر الطريق تحمل معها مخاوف من الاستهداف أو الاقتراب من مناطق الخطر، فيما يواصل السائقون والركاب عبوره مضطرين في ظل غياب شعور حقيقي بالأمان.
وبالنسبة إلى العائلات التي بقيت في هذه المناطق، فإن الاقتراب من الخط يرتبط غالبًا بالحاجة إلى الوصول إلى منزل أو أرض أو مصدر مياه، أو بمحاولة استعادة شيء من الحياة التي كانت قائمة قبل الحرب.
هنا، لا يبدو الخط الأصفر مجرد علامات على الأرض، بل حدودًا تمتد معها المخاوف إلى تفاصيل الحياة اليومية، من الأحياء والمنازل إلى الطرق التي يسلكها السكان بحثًا عن أبسط مقومات البقاء.
أرقام الخروقات: آلاف الحوادث منذ وقف إطلاق النار
تأتي هذه الحياة اليومية في ظل استمرار الخروقات لاتفاق وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ في أكتوبر/تشرين الأول 2025.
وبحسب أحدث البيانات التي أوردتها وزارة الصحة الفلسطينية في قطاع غزة، بلغ عدد الشهداء منذ بدء وقف إطلاق النار 1,252 شهيدًا، فيما بلغ عدد المصابين 4,120 مصابًا، إضافة إلى 804 حالات انتشال من تحت الركام.
وفي حصيلة أعلنها المكتب الإعلامي الحكومي، سُجل 4,091 خرقًا لاتفاق وقف إطلاق النار، أدت إلى استشهاد 1,254 فلسطينيًا وإصابة 4,121 آخرين.
وتشمل الخروقات، وفق البيانات، القصف وإطلاق النار وعمليات التجريف ونسف المباني والتوغلات، إلى جانب القيود المفروضة على حركة السكان في المناطق القريبة من الخط.
وتكشف هذه الأرقام عن واقع يتجاوز الحوادث المنفردة؛ فبالنسبة للسكان، أصبح الخطر حاضرًا في تفاصيل الحياة اليومية، فيما يبقى احتمال الاستهداف قائمًا حتى أثناء محاولة تأمين الاحتياجات الأساسية.
بلا سقف.. إلا ما يصنعونه بأيديهم
على مقربة من الخط الأصفر، تحاول وفاء وأشقاؤها، بعد أن فقدوا والديهم في الحرب، صناعة حياة من بقايا منزل لم يعد يشبه البيت الذي عرفوه قبل الحرب. أجزاء من المكان بقيت واقفة، بينما تحولت أجزاء أخرى إلى ركام، تاركة الأسرة أمام واقع جديد تحاول فيه إعادة ترتيب ما تبقى، بما تملك من إمكانات محدودة.
عندما عادت وفاء مع أشقائها إلى المنزل، كان الرمل هو الأرضية الأولى التي اضطروا للعيش فوقها. جمعوا قطع البلاط من الشقق والمنازل المدمرة، وفرشوها فوق الرمل في محاولة لصناعة أرضية يمكن النوم والجلوس عليها، فيما غطوا أجزاءً من المكان بشادر بلاستيكي يحميهم قدر الإمكان من مياه الأمطار.
تتمسك وفاء وعائلتها بالمكان رغم الدمار ويصمدون، فالبديل غير متوفر. وعليه، اختاروا العودة إلى منزلهم رغم تدميره من قِبل قوات الاحتلال، وتؤكد على أنه “مكاننا الآمن، ليس لدينا مكان آخر يؤوينا، لذا، نحاول أن نصمد هنا ونحافظ على ما تبقى من مكان وأمان”.
ومع حلول الليل، يتحول المنزل إلى مساحة للترقب أكثر منه مكانًا للراحة، وتستعيد وفاء تفاصيل تلك اللحظات: “حين نسمع صوت قصف قريب، نسارع بالابتعاد عن الأماكن المكشوفة وننزل على الأرض، بعيدًا عن الشبابيك والأماكن التي قد تشكّل خطرَا علينا”.
ولا تقتصر معاناة الأسرة على السكن والخوف، فالحصول على المياه أصبح مهمة يومية تتطلب قطع مسافات للوصول إلى أقرب نقطة يمكن الحصول منها على الماء.
وتروي وفاء تفاصيل رحلة الحصول على المياه: “مصادر المياه ليست قريبة منا، لذا يلزمنا السير مسافات طويلة للحصول على ما تيسّر منها وهذا يعرّضنا لخطر يومي بسبب الطريق والمسيّرات والقصف.. لكن لا بديل”.
وتختصر وفاء يومياتها بالقول: “نحن نعيش حياة غير طبيعية وكل ما نفعله بحساب، حتى الأشياء البسيطة، مثل النوم أو جلب الماء، تحتاج منا إلى تفكير وتخطيط.. ورغم كل هذا نحاول أن نصمد ونكمل”.
حين تضيق الأرض
يتواصل النزوح مع تقلُّص المساحات المتاحة لسكان قطاع غزة، فيما تتراكم آثار التجريف والدمار حول المناطق المحاذية لـ الخط الأصفر؛ تتمسك عائلات كثيرة بما تبقى من منازلها، رغم الخوف وغياب مقومات الحياة، لأن مغادرة المكان تعني البحث عن مأوى آخر وسط واقع تزداد فيه الخيارات ضيقًا.
ويبقى الخط الأصفر حاضرًا في تفاصيل الحياة اليومية، من حركة السكان إلى قدرتهم على الوصول إلى الماء والعلاج والعمل. وبين الخوف من البقاء وصعوبة الرحيل، يجد أهالي المناطق المحاذية أنفسهم أمام واقع يفرض عليهم الصمود في مساحة تتقلص يومًا بعد يوم، فيما يبقى السؤال الأثقل: أين يذهب من ضاقت به الأرض ولم يعد يملك مكانًا آخر؟.
(بوابة الهدف -كريمة شهاب)
موقع الأول نيوز الأخباري كن أول من يعلم