السبت , سبتمبر 12 2026

حربٌ على الوعي الفلسطيني: أسرلة التعليم في القدس وطمس الهوية الوطنية

الأول نيوز – تخوض مدينة اقدس المحتلة معركةً وجوديةً لا تقتصر على مصادرة الأرض وهدم المنازل، فقد امتدّت لتستهدف الذاكرة الوطنية والوعي الجمعي لأجيالها القادمة. وفي خطوةٍ تُمثّل تحولًا خطيرًا وغير مسبوقٍ منذ احتلال كامل المدينة عام 1967، تتصاعد سياسات الاحتلال لفرض “أسرلة” التعليم والمناهج القسرية على المدارس الفلسطينية، في محاولةٍ محمومةٍ لإلغاء الهوية العربية الإسلامية والمسيحية للقدس، وتحويلها إلى مجرّد مجتمعاتٍ هامشيةٍ تدور في فلك المخطّط الصهيوني الكبير.

إن المخطّط الذي كشفت عنه صحيفة “هآرتس”، والذي يهدف لإخضاع نحو 45 ألف طالبٍ فلسطينيّ (أي ما يعادل 38% من طلبة القدس) للمنهاج الإسرائيلي بحلول العام الدراسي 2026/2027، يُشكّل قرعًا لناقوس الخطر أمام خطر “تهويد العقول” المتسارع.

وأوضحت الصحيفة أن هذه الخطوة تُعدّ الأولى من نوعها منذ احتلال كامل المدينة عام 1967؛ حيث ظلّ النظام التعليمي في تلك المناطق مرتبطًا طوال العقود الماضية بالمناهج المستخدمة في الضفة المحتلة، والتي كانت تعتمد على المناهج الأردنية قبل أن يُعتمد المنهاج التعليمي الفلسطيني.

وتتجلى خطورة هذا المخطّط في تركيزه المباشر على فرض المنهاج القسري على الطلبة الجدد الملتحقين بالصفين الأول والسابع، في استراتيجيةٍ خبيثةٍ تهدف إلى الهندسة الإدراكية للنشء وتنشئة الأطفال منذ سنٍّ مبكّرةٍ على مصطلحاتٍ ورواياتٍ محرفةٍ، ممّا يُسهّل دمجهم التدريجي والكامل في النظام التعليمي الإسرائيلي وبناء جيلٍ مقدسيٍّ معزولٍ عن محيطه العربي والفلسطيني.

تصعيدٌ في استهداف الهوية الوطنية

محافظة القدس، وعلى لسان المتحدث باسمها معروف الرفاعي، حذّر من تداعيات هذا التوجّه، معتبرًا أنه يمثّل تصعيدًا في سياسةٍ تستهدف الهوية الوطنية والثقافية للطلبة، عبر إحلال الرواية الإسرائيلية مكان المنهاج الفلسطيني.

وبحسب الرفاعي، سيدرس خلال العام الدراسي 2026/2027 نحو 39,363 طالبًا فلسطينيًا وفق المنهاج الإسرائيلي في 105 مدارس بلديةٍ، إلى جانب 5,085 طالبًا في مؤسساتٍ “معترف بها وغير رسميةٍ”، ليصل العدد الإجمالي إلى أكثر من 45 ألف طالبٍ، أي نحو 38% من أصل قرابة 120 ألف طالبٍ في القدس الشرقية.

توسّعٌ متسارعٌ في تطبيق المنهاج الإسرائيلي

يكشف مسار السنوات الأخيرة عن توسّعٍ متسارعٍ في تطبيق المنهاج الإسرائيلي؛ إذ ارتفع عدد الطلبة الذين يدرسون وفقه من 10,347 طالبًا في العام الدراسي 2020/2021 إلى 19,402 في 2024/2025، ثم إلى 27,041 طالبًا في 2025/2026، بعدما كان العدد أقلّ من 13 ألفًا قبل ستة أعوامٍ، ولم يتجاوز بضع مئاتٍ قبل نحو 15 عامًا.

ويرى الرفاعي أن فرض المنهاج الإسرائيلي يأتي ضمن مسارٍ طويلٍ من الضغوط على قطاع التعليم الفلسطيني في القدس، شمل الضغط على إدارات المدارس وربط بعض الميزانيات بشروطٍ تتعلّق بالمناهج، وصولًا إلى الاستيلاء على مجمعين تعليميين تابعين لوكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) في مخيمَي شعفاط وكفر عقب.

انتهاكٌ للقانون الدولي

واعتبر المتحدث باسم محافظة القدس أن فرض منهاج سلطة الاحتلال على السكان الفلسطينيين في مدينةٍ محتلةٍ يمثّل انتهاكًا للقانون الدولي الإنساني، مشيرًا إلى أن اتفاقية جنيف الرابعة تفرض على القوة القائمة بالاحتلال التزاماتٍ تجاه السكان المدنيين، من بينها حماية الأطفال وضمان استمرار عمل المؤسسات التعليمية، وعدم استخدام التعليم وسيلةً لطمس هوية السكان أو فرض روايةٍ سياسيةٍ عليهم.

وحذّر الرفاعي من أن استمرار هذه السياسات يُهدّد مستقبل الأجيال المقدسية وذاكرة المدينة وهويتها، داعيًا العائلات والمؤسسات التعليمية والمجتمع المحلي إلى تعزيز صمود الطلبة والمعلمين والتمسّك بالمنهاج الفلسطيني.

وأكّد الكاتب والناشط المقدسي راسم عبيدات، أن استهداف التعليم في القدس يمثّل معركةً ممتدّةً منذ احتلال عام 1967 عندما سيطر الاحتلال على التعليم الحكومي وسعى لفرض منهاجه مبكّرًا بإدخال مادة “المدنيات” وشطب “التربية الوطنية”، مشيرًا إلى أن المحاولات الأولى لشطب المنهاج الأردني أسقطها إضراب مدارس القدس الشهير لثلاثة أشهرٍ بقيادة الأستاذ حسني الأشهب ولجنة المعلمين السرية.

مخطّطٌ تاريخيٌّ وسياسة العصا والجزرة

وشدّد عبيدات على أن الاحتلال لا يسحب مشاريعه بل يُخرجها من الأدراج بالتدريج عبر سياسة “العصا والجزرة”، لافتًا إلى أن الانعطافة الأبرز بدأت منذ آذار 2011 عبر قراراتٍ إداريةٍ تمنع استلام الكتب من السلطة الفلسطينية، إلا أن المسألة أعمق من ذلك بكثيرٍ إذ تدور حول صراع الوجود والرواية والثقافة، حيث توسّع العدوان ليطال المؤسسات الثقافية والفنية والمكتبات.

وأوضح عبيدات أن الاحتلال يستخدم أدواتٍ أمنيةً ومدنيةً لملاحقة التعليم؛ حيث يرأس ضباط أمنٍ سابقون 15 لجنةً من أصل 21 لجنةً مخصصةً للتعامل مع سكان القدس الشرقية، بينما تُشرف 5 لجانٍ أمنيةٍ وبلديةٍ على مراقبة التعليم بشكلٍ صارمٍ، وتَربط تحريف المناهج بالتمويل والترميم، حارمةً المدارس المتمسّكة بالمنهاج الفلسطيني من الدعم وسالبةً إياها التراخيص.

وقد تعرّضت مدارس عدّة مثل “الإبراهيمية” و”الإيمان” لاقتحاماتٍ وتفتيشٍ لحقائب الطلبة لإجبارها على التنازل. كما صعّد الاحتلال بمنع تصاريح المعلمين القادمين من الضفة الغربية للضغط على المدارس الخاصة، وصولًا إلى إغلاق مدارس وكالة “الأونروا” الخمس في القدس لمحو قضية اللاجئين وتصفية التعليم الحر.

المواجهة الوطنية وضغوط الأسرلة

وأشار عبيدات إلى حجم الضغوط الدولية والتواطؤ الغربي الممارس لتفريغ المنهاج الفلسطيني من مضامينه الوطنية، مستشهدًا بحديث دبلوماسيٍّ بريطانيٍّ سابقٍ عن ضغوطٍ مارسها رئيس الرباعية الدولية الأسبق توني بلير لشطب اسم “فلسطين” واستبداله بعباراتٍ توراتيةٍ. وفي السياق ذاته، تبرز الخطورة المباشرة في ممارسات الكنيست المتطرّف، كـ “تسفي سوكوت” الذي اقتحم عدّة مدارس ومزّق كتبًا فلسطينيةً مطاردًا الهوية الوطنية في الصفوف والممرات.

وشدّد عبيدات على أن ممارسات الاحتلال الاستفزازية -والتي بلغت حدّ المطالبة برفع العلم الإسرائيلي داخل كلّ صفٍّ تعليميٍّ في القدس- تُؤكّد أن الخطر بات داهمًا ومباشرًا على الوجود الفلسطيني. ولم تعد المعركة مجرّد صراعٍ على المناهج الدراسية، بل أمست محاولةً مكشوفةً لاقتلاع الانتماء الوطني من قلوب الناشئة وتجريد القدس من ذاكرتها التاريخية العربية.

واختتم عبيدات تصريحه بالتأكيد على أن مواجهة هذه السياسات الخطيرة تتطلّب بناء إستراتيجيةٍ وطنيةٍ موحّدةٍ تضع التعليم المقدسي بأكمله تحت مظلّةٍ واحدةٍ، وتتجاوز الخطابات الفئوية. وتقتضي الحماية توجيه جهودٍ شعبيةٍ ودبلوماسيةٍ مكثّفةٍ لدعم صمود المعلمين والطلبة، والتأكيد على أن حماية المؤسسات التعليمية في القدس هي واجبٌ وطنيٌّ جامعٌ لا يقبل التجزئة أو الانتقائية.

خطة لحسم صراع الهوية وهندسة وعي الأجيال المقدسيّة

وفي هذا السياق، يشير الكاتب والباحث المقدسي والمهتم في شؤون التعليم مازن الجعبري،  إلى أن قطاع التعليم في العاصمة المحتلة يقف عند مفترق طرق خطير وغير مسبوق، مؤكداً وجود قرارٍ حاسمٍ لدى بلدية الاحتلال ووزارة معارفه لفرض المنهاج الإسرائيلي الشامل على مدارس القدس الشرقية.

وبيّن الجعبري أن هذا العام استُهلّ بإجراءاتٍ عقابيةٍ وتضييقاتٍ مكثفة، تمثّلت في حرمان الكوادر التعليمية الواردة من الضفة الغربية من التصاريح، رغم حاجة المدارس الماسة لتخصصات رئيسية كالعلوم والرياضيات، مما أدّى لإضرابٍ شامل في بداية العام لإبراز حجم الأزمة واستشعار الخطر الداهم.

وحذّر الجعبري في حديثه من المسار الاستراتيجي المعادي الذي يُرتب للعام الدراسي 2026/2027 عبر استهداف الصفين الأول والسابع، موضحاً أن اختيار هذين الصفين يأتي ضمن هندسةٍ تدريجيةٍ محكمة. فالصف الأول يُمثّل المرحلة التأسيسية التي يسعى الاحتلال للسيطرة عليها للنمو مع الطالب صفاً بصف، فيما يُشكّل الصف السابع بوابة المرحلة الإعدادية لردم الفجوة بين المرحلتين التعليميتين، وبما يضمن خلال سنواتٍ قليلة تعميم الأسرلة وإلغاء المنهاج الأصيل في مختلف المراحل والصفوف المدرسية.

المال السياسي وتزوير الرواية الوطنية

وشدّد الجعبري على أن التعليم يُشكّل أحد أبرز القطاعات السيادية في القدس، نظراً لدوره المحوري في صياغة الهوية الوطنية والسياسية والثقافية لدى النشء، وهو ما يفسر الاستثمار الإسرائيلي المالي الهائل لفرض الرواية الصهيونية وغسل عقول عشرات الآلاف من الطلبة. وأكّد الجعبري أن هذه السياسة تُسخّر الميزانيات الضخمة كمالٍ سياسيٍّ مُوجّهٍ للمدارس الأهلية، بهدف إخضاعها للرقابة والابتزاز والتحكم الفعلي في بنيتها الإدارية والتأثير المباشر على مضامينها التعليمية.

واستعرض الباحث المقدسي التدرّج التاريخي لهذا العدوان الممنهج، مبينًا أنّه بدأ منذ عام 2011 حين أدركت سلطات الاحتلال صعوبة الفرض المباشر، فلجأت حينها إلى تحريف الكتب التعليمية وشطب كل ما يتعلّق بالتاريخ والرموز والمفاهيم الوطنية الفلسطينية، حتى باتت الكتب تُوزع بأوراق مفرغة ومحذوفة. واليوم، يتصاعد هذا المسار للوصول إلى الحسم النهائي عبر التغطية الكاملة على السردية الوطنية، وطمس مفاهيم النكبة والحقوق التاريخية، وفرض المفاهيم التوراتية الاستعمارية بقوة الأمر الواقع.

محدودية الدور المؤسسي ورصّ الصفوف الميدانية

وحول أدوار المؤسسات الرسمية والدولية، أوضح الجعبري  أن السلطة الفلسطينية تعاني من قيود مكبلة تمنعها من التأثير الميداني المباشر داخل العاصمة المحتلة بموجب اتفاقيات أوسلو، على الرغم من المتابعات والتحذيرات المستمرة التي رفعتها الهيئات الأهلية على مدار السنوات الماضية.

وأضاف أن المنظمات الدولية والأممية كـ (UNDP) واليونسكو، ورغم تقديمها مساعدات سابقة، أصبحت عاجزة اليوم عن لجم المخطط الإسرائيلي أو إيقاف قرارات مصادرة الحق بالتعليم المكفول في المواثيق الدولية.

وأكّد الجعبري  أن السدّ المنيع الحقيقي والمتبقي للحق الفلسطيني يتمثّل في توحيد الجهود الميدانية بين المدارس ولجان أولياء الأمور والفعاليات الشعبية. وعوّل الباحث المقدسي على الوعي المجتمعي والعمل التكاملي لإفشال مخطط الأسرلة أو تعطيله على أقل تقدير، مُشدداً على أن الصمود الفلسطيني والشراكة الصلبة بين الأهالي والمؤسسات التعليمية قادران على حماية الذاكرة الوطنية والتصدي لمشاريع التهجير الفكري واستعادة الوجود العربي الأصيل في العاصمة.

تبقى معركة الوعي ميدانًا مفتوحًا يُراهن فيه الاحتلال على محو الذاكرة وتفكيك عناصر الهوية الوطنية، مستخدمًا كلّ أدوات السيطرة والنفوذ.. وفي القدس المحتلة، يتّخذ هذا الاستهداف شكلًا أكثر خطورةً عبر تحويل التعليم والمناهج الدراسية إلى أداةٍ رئيسيةٍ للتهويد وتغيير وجه المدينة الحضاري والإنساني، غير أنّ التاريخ الجمعي يُثبت في كلّ مرحلةٍ قدرة شعبنا الفلسطيني على حماية روايته الأصيلة، والصمود في وجه محاولات الطمس والاحتواء التي تستهدف أجياله المتعاقبة، والتي لم تكن هذه المحاولة الأولى ولن تكون الأخيرة. ( بوابة الهدف – مهند ابو شمالة )

عن الأول نيوز

شاهد أيضاً

الأردن يدين استهداف أنابيب في الرياض والمدينة المنورة

الأول نيوز – أدان الأردن، الجمعة، الاستهداف الذي تعرّض له خط أنابيب شرق غرب في …