الاول نيوز – صلاح ابو هنّود
مخرج وكاتب
في قوانين التاريخ وسنن القرآن، لا تُقاسُ مقاديرُ الأمم بظاهر أسبابها ولا بعظيم عتادها، بل بما تنطوي عليه نفوسُها من عدلٍ أو طغيان. وإنّ من أعمق السنن الكونية وأنفذها مجرى، تلك التي يتنزّل فيها القدرُ بالحسم على أقوامٍ استحقوا البعاد واللعنة؛ فلا يعصمهم يومئذٍ عتادٌ، ولا تنفعهم حصونٌ، ولا ينجي من اصطفّ في خندقهم قولاً أو عملاً.
تجري هذه السنة الدقيقة في أفقين متوازيين يُشكّلان ملامح اللحظة الحاسمة:
أوج الصلف وشباك الاستدراج
يمتدُّ حلمُ الله للمستكبرين حتى يبلغوا الذروة في التكبر والعتوّ، وهي الحالة التي يصفها البيان القرآني بالاستدراج: {سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ}. وفي هذه المرحلة، يتجاوز الطغيان حدود صُنّاعه الأصليين ليتحول إلى مظلة كاملة تجذب إليها كل من أُشرب في قلبه الهوى، فيكتمل الاصطفاف ويتحدد المصير.
تجلّت هذه الصورة حين بلغ فرعون وملأه غاية الخيلاء، وظنوا أنهم مالكو أسباب الأرض والبحر، فجمع حوله جنوده ونخبه الذين شايعوه بالقول والعمل: {وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ}، فكان ذلك الأوج المادي الظاهر ليس إلا السطر الأخير في كتاب إمهالهم.
كير الابتلاء وصيقل الثبات
وفي ذات الوقت الذي يتمدد فيه معسكر الباطل غروراً، يُدار المعسكر المقابل بسنّة أخرى أشد عمقاً؛ هي سُنّة التمحيص والصبر: {وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ}.
لا ينزل النصر على نفوسٍ خائرة، بل يُصنع أهله في كير الابتلاء الشديد، حيث يتدرجون في درجات التضحية واليقين حتى تُفطم قلوبهم عن التعلق بالأسباب المادية الهشة، وتتصل اتصالاً وثيقاً بمدد السماء. وهكذا كان شأن أصحاب الأخدود وقوم موسى؛ ابتلاءٌ يغربل الصفوف، ويصقل الصبر، ليتميز الحق كاملاً أمام الباطل كاملاً.
لحظة الأجل والنهاية الناجزة
حين يكتمل الميدان؛ ببلوع المستكبرين ومن والاهم أوج الاستدراج، ووصول الصابرين أقصى درجات الثبات، يقع القضاء النافذ الذي لا يحتاج إلى مقدمات طويلة، بل هي صيحة واحدة أو سبب ظاهر ينفذ به قدر الله: {فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنبِهِ ۖ فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ}.
فما أغنت عن ثمود عتوتهم ولا أتباعهم حين جاءهم أمر الله: {إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ}.
وما نجا من قوم لوط من سكت أو ظاهر أهل الفاحشة، بل شملهم الإهلاك جميعاً.
وعندما صدر القرار بغرق فرعون، جرف الموجُ المنظومةَ كلها؛ الظالم والمصفق له على حدٍّ سواء.
إن الاصطفاف مع الظلم -ولو بالكلمة أو السكوت- هو دخولٌ اختياري في دائرة الأجل المحتوم، وحين تحين لحظة الحسم الكونية، تتهاوى كبريات القوى ومن ناصرها، لتستقر الحقيقة الخالدة: أن القوة الظاهرة مهما بلغت عتياً، ليست إلا مهلةً في حبل الاستدراج، وأن العاقبة يكتبها القهار بكلمة واحدة.
موقع الأول نيوز الأخباري كن أول من يعلم