الدكتور أيمن سلامة –
الأول نيوز – أفصحت كل من المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي ، وهي الهيئة الجنائية الدولية المستقلة الدائمة حصرا ، فضلا عن المملكة المتحدة عن الكذب الأشر فيما يخص إقرار العدل قبل العدالة ، وإرساء قيم الديمقراطية ،و التي لا تنحصر قِيَمها في صناديقالانتخابات أو التداول السلمي للسلطة تدليلا ، ولكن تمتد قيم ومبادئ الديمقراطية لعدد كبير من القيم من بينها : المحاسبة و المساءلة و المكاشفة ، فضلا عن مساواة كافة الأشخاص في مراكزهم القانونية ودن أي تمييز لأي سبب أو باعث مثل الجنس أو العرق أوالدين أو القومية أو الهوية أو غيرها من غياهب التمييز المقيت الذي كشفت عنه مُؤخرا كل من المحكمة الجنائية الدولية و المملكة المتحدة .
تُعد المحكمة الجنائية الدولية محكمة الملاذ الأخير، بموجب مبدأ “التكامل” الذي يُعد الركن الركين لأداء المحكمة الجنائية الدولية ومكتب مدعيها العام المستقل ، ويعني ذلك وفق المادة 17 من النظام الأساسي للمحكمة ، وهي المادة الخاصة بالمسائل المتعلقة بالمقبولية ، أن المحكمة لا تستطيع أن تُجري التحقيق أو المقاضاة في دعوي يكون للمحكمة اختصاص عليها كما في الحالة البريطانية ، ما لم تكن الدولة حقا غير راغبة في الاضطلاع بالتحقيق أو المقاضاة أو غير قادرة علي ذلك .
نصّت العبارات الأخيرة من ديباجة ميثاق المحكمة الجنائية الدولية ، : ” تؤكد الدول الأطراففي هذا النظام الأساسي ان المحكمة ستكون مكملة للولايات الجنائية الوطنية ، كما نّصت المادة الأولي التي تتصدر هذا النظام علي : ” تنشأ بهذا محكمة جنائية دولية ” المحكمة ” وتكون المحكمة هيئة دائمة لها السلطة لممارسة اختصاصها علي الأشخاص إزاء أشد الجرائم خطورة موضع الاهتمام الدولي ، وتكون المحكمة مكملة للاختصاصات القضائية الجنائية الوطنية “
سَبق للمدعي العام للمحكمة في مايو 2014 أن أعاد فتح تحقيق أوّلي ، كان قد أغلق في عام 2006 ، في جرائم الحرب البريطانية المزعومة في العراق، وأكّد مكتب المدعي العام ، أن هناك أدلة واضحة على أن القوات البريطانية كانت مسؤولة عن العديد من جرائم الحرب في العراق ، بما في ذلك القتل العمد أو القتل والتعذيب والانتهاكات الخطيرة الأخرى للمعتقلين والاغتصاب وغيره من أشكال العنف الجنسي.
لم يكن الباعث في إعادة التحقيق من جانب المدعي العام للمحكمة في عام 2014 سوي أن حكومة المملكة المتحدة مرارًا وتكرارًا لم تبد إلا القليل من الاهتمام بالتحقيق والملاحقة القضائية في الفظائع التي ارتكبتها القوات البريطانية في الخارج ، لذلك فقرار المدعية العامة بإغلاق تحقيقها في المملكة المتحدة سيغذي بلا شك تصورات عن ازدواجية المعايير القبيحة في العدالة ، مع نهج واحد للدول القوية وآخر تمامًا لأولئك الأقل نفوذًا .
سبق أن كشف تحقيق مشترك لوسائط بريطانية إعلامية 2019 أن الحكومة البريطانية والجيش أخفيا مرارًا أدلة على جرائم حرب في العراق وأفغانستان ، وأفاد التحقيق أن المحققين المشاركين لديهم مخاوف جدية من أن النيابة العسكرية رفضت توجيه اتهامات على الرغم من الأدلة الموثوقة على الجرائم، ونفت وزارة الدفاع البريطانية هذه المزاعم.
أفصح التقرير الأخير الذي أصدره مكتب المدعي العام للمحكمة مدي الازدواجية و التناقض الواضحين ، حيث حاول مكتب المدعي العام أن يحفظ ماء الوجه ويداري بعضا من حمرة الخجل ، حين أشار في ثنايا التقرير إلي بعض المجالات المثيرة للقلق المتعلقة بنهج المملكة المتحدة في معالجة مزاعم الجرائم الخطيرة ، ولكن هذه الإشارات لن تشفي غليل الضحايا و عائلاتهم و أقاربهم ، ولن تحرك ساكنا في الماء البريطاني الآسن ،وتقوم بمقاضاة عادلة مستقلة للجنود البريطانيين الذين ارتكبوا جرائم حرب مدعاة في العراق ، أثارت إدانة المجتمع الدولي كافة .
إن التعويضات المالية التي دفعتها وزارة الدفاع البريطانية لمئات العراقيين ضحايا هذه الجرائم المدعاة ، لا يمكن أن تتناسب بحال من الأحوال الانتهاكات الخطيرة للقانون الدولي الإنساني و الفانون الدولي لحقوق الإنسان ، فقواعد المسؤولية الدولية توفر للدولة المضرورة وهي العراق في هذه الحالة الأشكال المختلفة من الجبر، التي لم تطرق منها المملكة المتحدة إلا شكلا واحدا وهو التعويض المالي فقط .
لم تتنصل السلطات البريطانية المختلفة من إحقاق الحقوق و إعمال المسؤولية الجنائية و السياسية بحق كل من تآمر علي ارتكاب الجرائم المدعاة بواسطة القوات البريطانية في العراق و أفغانستان ، لكن الشَطط البريطاني جاوز أي مدي ، و هاجمت حكومات المملكة المتحدة مرارًا وتكرارًا مهنة المحاماة بأكملها لرفع دعاوى ضدها تتعلق بالانتهاكات في العراق .