السيد المسيح في بيتنا !

بعضٌ من حب فلسطين هو من حبِّ مسيحييها والمسيحية

 

د. مازن مصطفى –

الأول نيوز – كمسلمٍ فلسطيني يتصوف في حبّه لناسها وترابها، ولا أنطقُ عن فصيلٍ. ويسيء إليّ جهل المُضللين .أريد هنا أن أروي ماذا يعني الاحتفال بعيد الميلاد المجيد ، وأُكرر، عيد الميلاد المجيد وليس (الكريسماس) لعائلات إسلامية في جبل القدس ، ٍاروي عن تجربة ذاتيةٍ، بعين الطفل قاصِداً ذلك،  آمِلاً أن  يتذكر كلٌّ تجربته، وليشهد بها وليجهر، وليدوِّنها ما استطاع،  فذلك مَوثِقٌ مطلوب.

أروي عن بيوتات أهلي في بني حسن من آل مصطفى في بتير وبيوتات أخوالي من آل درويش في المالحة والولجة وبيت جالا وكلها من بني حسن وقراها (إضافة إلى المذكورة ، بيت صفافا وشرفات والجورة وصطاف وخربة اللوز) التي ارتبط تاريخها الاسلامي باهل البلد المسيحيين، ولست بصدد تعداد مآثر الأهل وأمجادهم أو تنضيد رواياتهم ، بل القصد توضيح تفاعل هؤلاء في المشاركة بعيد الميلاد المجيد ، وكيف في طفولتي الشخصية تمظهر هذا، ولاحقاً في اليفاعة والشباب وإلى الآن، ولم يتزعزع {أيها المتخوفون من وقوع اطفال المسلمين الفلسطينيين تحت تأثيرٍ من احتفالات الميلاد} إيماننا  في اسلامنا  ولم تنقص منه شعيرة.

 ولست بصدد تلك الدفوعات الساذجة التي تعدد أسماء مسيحيين أفذاذ كتبوا أو نشروا أو قادوا النضال او سقطوا على أرض فلسطين، فهذا (الدفاع) بهذه الطريقة هو الضعف بحد ذاته ، واشهدوا معي، وأرى ذلك كافياً :

 إن المسيحيّ الفلسطينيّ سابق بفلسطينيته أي طائفة وأي دين، وأي فصيلٍ وأي “عنتريات”، أو جهالة يجهل علينا بها من لا يرى الاحتلال، أو يتعملق دونما شرعية لذلك وينتصر بالفتنة بدل الانتصار على المحتل.

في العًقد السُفلي من بيتنا القديم الذي أسكنه في بتير، غرفة تُسمى “أوضة الفرس” وكنت أسأل والدتي أو عماتي أين الفرس ولماذا التسمية؟ فيروين لي أن جدي الشيخ مصطفى حسن ، وهو للعلم، وضرورة التأكيد، من حفظة القرآن، ومن تيار متأثر بالسيّد جمال الدين الأفغاني والشيخ محمد عبدة، حيث لا زلت أحتفظ بصورتين لهما، ببروازهما القديم كانتا معلقتين في صالون بيته. فتقول عمتي فاطمة أنه كان يعتلي صهوتها في ثلاث مناسبات كبيرة هي موسم النبي موسى ، وزيارته لشيوخ جبل الخليل أو بادية القدس، والثالثة مع شيوخ بني حسن في مواكبة واستقبال بطريرك الروم عند محطة سكة حديد القدس القديمة، وحتى مار الياس ، في طريقه لإحياء قداس عيد ميلاد “سيدنا عيسى” المسيح.

ماذا يريد خيال طفل في عمري ما هو أكثر من هذا ؟ ماذا يريد أكثر من بهجة المشاركة في عيد نبيّ كنّا نفهم أنه بأهمية نبينا كما يوصينا الله؟ُ ثم وباستثارة ولائي الخفيّ للأرومة كما كل الأطفال مع الأب والجدّ، أسأل نفسي متى سيحين دوري لهذه المهمة التي يبدو أن جدي يقدسها؟ فأذهب لاستقبال البطريرك وكأن في ذلك اكتمال حضوري الاجتماعي ؟

جدي لأمي هو الشيخ عبد الفتاح درويش ، شيخ مشايخ بني حسن، وهي صفة اعتبارية وليست منصباً، كان ورث عن أخيه تلك المشيخة التكريمية، وكل متعلقاتها بما فيها طقس مشاركة ذلك الفريق من شيوخ بني حسن في مواكبتهم للبطريرك، وتروي لي والدتي طقوس ذلك من التحضير له بين الشيوخ لما يليق بالاحتفاء بميلاد النبي العظيم “سيدنا عيسى”، وبما يعزز أواصر الصداقة والتحالف مع أبناء البلد المسيحيين، خصوصا وأن أكبر قريتين في قرى بني حسن هي لأبناء “عمومتنا” المسيحيين ، هكذا كان أهلنا يُفهموننا صفة قرابتهم، أبناء عمومة من قبيلة واحدة منها المسلم ومنها المسيحي، وهما قرية عين كارم وقرية بيت جالا. وكان مرور موكب البطرك ليس فقط في أرض بني حسن بل وفي أملاك شيخ مشايخه أبو الأمين محمد درويش ومن بعده أخوه عبد الفتاح. وهذه الطقوس انتهت مع النكبة، واقتلاع الاهل من أرضهم وتراثهم وطقوس احتفالاتهم. فصار استقبال البطريرك في ساحة المهد هو البديل عن المواكبة. وهنا يبدأ نصيبي من الاحتفال بمولد سيدنا عيسى.

أتذكر أني برفقة جدي عبد الفتاح ممسكا بيدي، وكان حينها عضواً في البرلمان الأردني، وكنت في السابعة من عمري أو أقل قليلاً، دخلنا كنيسة المهد للسلام على البطريرك ، وكانت مناسبة لي للفرجة على الكنيسة والزينة تحضيراً للقداس، ورائحة خفيّة للبخور تهب من الأرجاء، ونزلت برفقته إلى المغارة وأراني أين سقطت النجمة التي دلّت على المسيح وأراني المذود، وتلك تجربة لا يغيب خيالها الغائر عميقا عن بالي.

إلى أيّ فرحٍ أكثر من هذا كانت تحتاج طفولتي؟

والدي، حسن مصطفى والذي كان يعرف بالاستاذ حسن أو أبو مازن ، ليس بالمثقف العابر، هو من أوائل الخريجين الجامعيين في فلسطين من الجامعة الأميركية تحديداً عام 1933، وأيضاً لست هنا بصدد كتابة سيرته لكن أريد توضيح جانب من جوانب شخصيته المركبة، وهي الكاتب التربوي والمثالي إلى درجة الصفاء ، وأنه كتربوي لم يكن مجزوعاً من مشاركتنا كاطفال في اضاءة شجرة ميلاد في البيت ، أو في مشاركة الكبار نصيبهم من “عجقة” العيد، وسأروي ما أتذكره كطفل واعٍ ما شهدته لأربع سنوات ،(توفي في 4 حزيران 1961) قبل وفاته وأنا أكاد أكمل التاسعة من العمر.أتذكر عشاءات ليلة الميلاد التي كانت تجمع أصدقاءه من العالم، من مصر ولبنان وشرق الأردن ومن أميركا أو بريطانيا، أدباء ومفكرين وصحفيين واسماؤهم مدرجة في دفتر الزيارات الذي كان من مسؤولية واحد من أعوانه . يتناولون العشاء ، ويذهبون لحضور القداس في كنيسة المهد ويعود قليل منهم للنوم عندنا.

أقرأ في الدفتر، ولا أدّعي أني أتذكر لولا السِجلّ، من زوار تلك الليلة في تلك السنوات الأربع، وفي موعد عيد الميلاد بالتوقيتين الغربي والشرقي أعرف  أنهم  أصدقاء مقربون للوالد في إطار الأدب والسياسة، فأجد من الأردن العلامة روكس بن زائد العزيزي وهو من قبيلة العزيزات المسيحية الأردنية ولهم دورهم في الفتح الاسلامي وعلاقة موثّقة بالنبي العربي، وكان برفقته الكاتب الأديب  يعقوب العويدات، الملقب بالبدوي الملثم ، ومعهم حسب السجل ، صالح المجالي (وهو مسلم) وهو شخصية سياسية وادبية معروفة وبرفقتهم أبو رجا الحمارنة وهو من مادبا كان يسكن بيت لحم.

في ليلة الميلاد لعام 1959، يشير السجل إلى مجموعة أجانب من الذكور والإناث ، هؤلاء هم اساتذة والدي في الجامعة الأميركية في بيروت والقاهرة، وأصغرهم سنّاً كان في الستين، اتذكرهم لأنهم باتوا ليلتهم عندنا، وأصبحنا في خدمتهم، وقبل مجيئهم تم تصليح خزان الماء على ظهر البيت وتجهيز الحمام الغربي وتنك الماء (كنا نسميه غيزر) وتسخين مائه بجفت الزيتون ، وكان هذا انقلابا بعد أن تعطلت هذه الخدمة لأكثر من عامين.

في ليلة الميلاد لعام 1960 رئيس اساقفة نيويورك ، ومعه راهبتان وقسيسان، وأذكرهما بلباسهم الديني، ولكن الأهم في التذكر أن الضيوف الأجانب هم وحدهم من كان يتذكرني أو يتذكر أخواتي بهدية، وفي الأغلب نتلقاها صباحاً.

كانت ليلة الميلاد ليلة احتفاء بالصداقة ، صداقة مثقفين وأصحاب رسالة، نرى في طفولتنا أن يوم ميلاد سيدنا عيسى هو سببها، يضج بيتنا بالصخب والنقاش والعشاء ، ومن سوء حظ المدعوين أن أبو مازن لا يقدم مشروباً روحياً.

في صالون البيت، مجلسه، في البيت الذي صحوت فيه ووعيت، طفلا وشابا ومحاضرا في الجامعات  كانت صورة كبيرة واحدة هي صورة السيد المسيح، وكان معجباً بها ، وأتذكر أنه سألني، وكنت في الصف الثاني ابتدائي، هل يشبه أحداً من بتير؟ إلى الآن اتأمل في الصورة والتي لم نجدد إطارها رغم تجديد البيت لمرات، فلا أجد شبيها،. والدتي، هي من أفهمني لاحقاً أن سر إعجاب والدي بالصورة هو أنه لا يشبه المسيح الأوروبي الأبيض، بل قمحي مائل إلى البنيّ وحاد القسمات مهموم، وسمح النظرات، يشع حناناً، وحين أراه الآن أقول بالفعل ، هذا إبن بلد.

يوم الميلاد عصراً، وخصوصا الشرقي، كنت أرافق الوالد في جولته لمعايدة اصدقائه من المسيحيين في البيوتات الثلاث بيت جالا وبيت لحم وبيت ساحور. كان يحرص على انتقاء مرافقيه في الجولة ونمضي في سيارتين، كان ذلك ضمن مفهومه في تعظيم المشاعر وإعطاء كل ذي حقٍ في علو النفس والهمّة حقه، وأذكر من الاسماء التي نمر عليها ، جريس ابو رمان ووديع دعمس والشاعر اسكندر الخوري وابراهيم خروفة وجبرا خميس وتوفيق قطان (الباشا) وعفيف بطارسة وآل البندك، وبنورة وأبو عيطة ورشماوي وعطالله الذي كان في الخارجية الاردن، والتربوي عيسى عطالله وكان لا ينسى ابداً المرور لمعايدة مديرة مدرسة بتير الاستاذة سارة صلاح واخيها عودة ثم  سليم الشاعر، سائق الوالد الخاص، فاليوم عطلته وعيده .

بقي أن أذكر شيئاً واحداً مهماً وأظن أنه سيعني لكم الكثير، وهو أن تاريخ ميلاد ابي هو 25 ديسمبر، كأنه يحتفل لنفسه في المسيح أو أنه يحتفل في المسيح لنفسه، وكان يرى في سيرة السيد المسيح ما يعزز صلابة مواقفه ومثاليته الأخلاقية والتربوية، وأرى ذلك في قبسات من أقوال المسيح في معظم كتبه ومقالاته وخطبه .

هكذا عاش المسيح عيسى ابن مريم فينا أطفالاً، كنا في طفولتنا نظن أنه من أقاربنا الأقدمين، وما كان ذلك إلّا ليزيد من حبنا ومعرفتنا لله، ولم ينقص وجود شجرة الميلاد في بيتنا من إيماننا، ولم تفسد إيماني مشاركتي لوالدي جولاته للمعايدة.

بين المسلمين في فتح القدس وفي فلسطين وبلاد الشام عموماً وبين المسيحيين ميثاق أعظم اسمه العهدة العمرية

علينا أن نقرأها في كل عام على ضوء آخر ما اهتدينا إليه فلسفياً وقانونياً واساساً أخلاقياً، ربما مثل ما يفعل الإنكليز في قراءة ماغناكارتا ما قبل 800 عام بروح العصر.

لقد كانت العهدة العمرية أول تعبير عن مشاركة الوجود الواحد وميثاق الأمن الأهلي، لم تكن ابداً ملحقاً أمنياً للفتح الاسلامي للقدس وبلاد الشام، لم تكن اتفاقاً امنياً يشبه اتفاقات الفصائل مع القوى الممولة، أو اتفاق دايتون (مثلاً) وكذلك فإن العهدة ليست أبداً مدونة سلوك ، تمنع وتحرم وتحلل ، بل كانت أول نصٍ قانوني في معنى المواطنة، وحيث فلسطين وأهلها وبلاد الشام كلها، ارض السلام  والمسرة

 بهذه النظرة  سيفرح أطفال المسلمين بعيد الميلاد دون تخوف أن (يتأثّروا) بالمسيحية ( يا عيب الشوم) ولا الطفل المسيحي سينظر إلى المسلمين بريبة .

المجد لله في الأعالي والله أكبر….

عن الأول نيوز

شاهد أيضاً

‎جغرافيا الروح وانبعاث التاريخ: قراءة في القدر العربي وخرافة الهزيمة المطلقة

‎الأول نيوز – صلاح أبو هنّود – مخرج وكاتب إن المأزق الذي تعيشه الأمة العربية …