سحر عبدالله -لندن –
الأول نيوز – لعل مقدمة الكتاب المكثفة تصلح لوحدها أن تكون مادة وافية لعرض كتاب لؤي الروماني، المدير المالي سابقاً في بنك بيمو السعودي الفرنسي وشريك أعمال حالياً مع منظمة اليونيسيف في لندن.
في تلك المقدمة يخبر لؤي الروماني قراءه لم قرر الكتابة ونشرها لاحقاً، فلكل منا قصته ومن الممتع والمهم بآن معاً، أن نسمع قصة رجل مال سوري صاعد اختار دمشق مكاناً لبداية مسيرته المهنية عوضاً عن بنوك في الخليج حيث تلقى عروضا مغرية لأي شاب بعمره وخبرته. مالذي يمكن لمختص مالي خريج الجامعة الأمريكية في بيروت وبوسطن أن يخبرنا دروساً في الأزمة السورية؟
يقول لؤي هذا ليس كتاباً في التحليل السياسي للأزمة السورية فلقد تناول ذلك الآلاف من الإعلاميين والمختصين عبر العالم.هذه شهادتي الشخصية كسوري بالدرجة الأولى.
قد يكون من المهم أن يعرف حتى السوري المقيم في أكثر منطقة نائية في سوريا و السوري القاطن في قلب العاصمة وكذلك المغتربين معلومة كالتالية: أنه قبيل 2011 كانت دمشق مرشحة لتصبح مركزا استثمارياً وخدمياً ينافس دبي عبر بناء أكبر مركز ترفيهي وخدمي وتجاري في منطقة يعفور وكذلك كان جارياً العمل على قدم وساق على بناء أكبر متحف علمي للأطفال سيكون الفريد من نوعه في الشرق الأوسط. لم تم تحطيم كل تلك المشروعات وغيرها الكثير من عوامل إنعاش وتطوير المجتمع السوري وتجنيبه مآلا تبين أنه كان معروفاً للاعبين الكبار منذ البداية؟.
يفتح لؤي دفتر ذاكرته عن بلده ويكثف حياته، بين “صندوقين زمنيين ” حسب تعبيره ما قبل ال١٩٩٠ وما بعدها، لتبدو حياته وذاكرته كطفل وكشاب ناضج شريط فلم بين حربين.
الحرب الأولى، بعد احتلال صدام حسين للكويت في صيف 1990 حيث كان الكاتب طفلاً ينتظر بلهفة والده المقيم في الكويت أن يوافي العائلة في دمشق ويفرح طفله بألعاب ومجلات يحبها.
يقول جد الطفل: “مافي حرب ، أكيد مافي حرب” ليطمئن العائلة. إلا أن حرب الخليج وقعت واستغرقت عودة الأب براُ عبر العراق شهرين اضطر فيها الوالد أن يتخلى عن الكثير من الألعاب والهدايا لصالح جنود نقاط التفتيش العراقيين اللذين تعرفوا على الوالد المعروف وهو الممثل السوري المخضرم أسامة الروماني، وقد طلب منه البعض أثناء العبور تأدية بعض مشاهد مسرحية غربة التي وصلت شهرتها لمعظم البلدان العربية، وخاصة مشهد أبو أحمد نفسه الذي أداه الممثل الروماني (والد لؤي) في عيد الكذب، حين يدبج كذبة يعجز حتى مختار الضيعة عن مجاراته بها وكانت تل هي مفارقة لعبة ذاك اليوم؛ من يكذب أكثر؟.
في أواخر العام 2011 ولؤي لم يعد طفلاً بل كادراً فعالاً في بنك بيمو الفرنسي السعودي وفي اجتماع مع أحد المدراء التنفيذيين الفرنسيين في البنك ، الذي سألهم: هل سيحدث في سوريا ما حدث في تونس وليبيا ومصر؟.. الجميع استبعد ذلك مجمعاً على أن سوريا تختلف عن غيرها ..إلا أن الأمور سارت بغير ما تمنى ربما الكثير من السوريين إن لم يكن معظمهم.
افتتح الروماني كتابه بقصة يوليوس قيصر من مسرحية شكسبير، إذ ينذره العراف بأن يحذر من الخامس عشر من آذار. ليبدو الاقتباس موفقاً بإشارته الذكية للمقابل السوري لهذا التاريخ أي الخامس عشر من آذار حيث انطلقت الاحتجاجات في مدينة درعا السورية لتمتد لغيرها من الكثير من المدن السورية وتتحول من احتجاجات سلمية لحروب بالوكالة، حرب أهلية، حرب ضد الإرهاب والعشرات من التسميات التي ملأت جرائد وقنوات الإعلام عبر العالم كله.
من دروس التعاملات المالية في زمن الأزمة السورية يخبرنا الكاتب عن سياسة بنك بيمو في الاستمرار بخدمة الزبائن التي نجح البنك في استقطابهم وكسب ثقتهم من أصحاب المسامك في الساحل السوري وصولاً لبدو البادية السورية وحتى تجار المدن الكبرى الراسخين في التجارة والتعاملات المالية منذ مئات السنين.وعلى الرغم من التحولات الحاسمة على الأرض والتي أنذرت بأن الحرب وصلت لقلب دمشق بعد تفجير 2012 والمعروف بخلية الأزمة، أدرك كل من في البنك وربما من السوريين أن الامور قد تغيرت على الأرض، استمر البنك في العمل وبمنح قروض لمن احتاج لها للاستمرار في العمل.
في صيف 2013 حين كان مقاتلون يصورون أنفسهم وهم يحاولون نهب بنك بيمو في مدينة دير الزور، كان البنك قد نقل بالطائرات مدخرات الناس وأموالهم ليستلموها كاملة من فروع البنك في دمشق أو غيرها من مدن سوريا.
” يقول الكاتب قمنا بعملية لن تغطيها أكبر شركة تأمين في العالم” إنقاذ مدخرات في منطقة موت متلفز وحي. إلا أن ثقة الناس بالبنك مجسدا بأبيات شعر أطرت وعلقت في مبنى إدارة البنك في دمشق هو ما اعتبره لؤي الروماني أحد الدروس التي لا تدرسها جامعات الاقتصاد والاعمال في العالم،شرقا وغربا.
من الدروس المهمة والتي ركز عليها الكاتب أيضاً، هو تحويل مفهوم الزمن من آني وقصير إلى زمن بعيد المدى ومحتمل، مستعيراً من التقاليد الدمشقية العريقة في عالم التجارة ، مثال الأب الذي يقتني ساعة يد لابنه أو لنفسه متخيلاً كيف ستبدو هذه الساعة في يد الأبن والحفيد وحفيد الحفيد، أي بعد عدة أجيال. فالزمن الدمشقي تحديداً والسوري عامة، يمتد لما بعد السنة الضريبية وبذات الوقت يستمد معنى يبدو لا نهائياً في ذلك الربط الفارق بين الماضي الذي لا يموت بل يحيا في زمن الأجيال القادمة.
أظن أن طريقة السرد اللافتة عند الاقتصادي الصاعد، سليل الأسرة الفنية هي ما لفت الناشر وشجع الكاتب دون مجاملة على النشر. فهذا التعشيق الجميل بين كل تفصيل محلي ومغرق في سوريته ودمشقيته تحديداً، له معنى،وقد وظفه الكاتب بذكاء لافت ومؤثر في أمثلته المنتشرة عبر فصول الكتاب كلها تقريباً. ففي لفتة رقيقة يذكر لؤي علاقته بأخته وهي من ذوي الاعاقة الخاصة وتكبره بعامين حين كان يصحبها وهما طفلين ومراهقين لمحل البوظة في الكويت كي يفرح أخته ببوظتها المفضلة مع الفستق الحلبي. في إحدى المرات يسأله البائع الذي يعرفه منذ زمن عن أحواله فيجيب لؤي: سعيد لأنني انتقلت لمدرسة أسهل وأقل صرامة من المدرسة الانكليزية ليجيبه البائع عن معنى بناء الشخصية حين نوضع في وجه من يتحدانا وليس في وجه من يتساهل معنا. ” لو أنني واجهت في مرحلة تشكيلي الأساسية ظرفاً يتحداني لما انتهيت بائعا للبوظة وأنا في الستين من العمر. يخبره البائع”.
لا يغفل لؤي في كتابه الممتع فضل الأسرة والأصدقاء والظروف أيضاً في إنجاز الكتاب الذي لا يتسع لذكر الجميع بالاسم.
في مقدمته المؤثرة يصر الكاتب على تسليط الضوء على تلك القدرة الإعجازية للإنسان حين يتجاوز مرارة العيش تحت احتمالات الموت الدائم. استخدامه للأمثلة الشعبية العربية والسورية وربما الشامية أيضا دلالة ليست عابرة. في كتاب عن دروس اقتصادية ومالية في الأزمات، حضر الأب المتفاني كفارس حقيقي على أرض الواقع لا مجازاً تمثيلياً، الأم كنافورة حب متجددة، عنيدة وشجاعة حين يتعلق الأمر بمستقبل ولدها العلمي وأمان عائلتها و كذلك تحضر ذكرى الجد الطيار المدني سابقاً وقد أسس في نفسية الطفل لؤي، حب لندن ، المكان الذي اختاره الآن للعيش بعد مغادرته سوريا منذ سنوات.ولا يغفل بالتأكيد دور الزوجة المتفانية والملهمة.
من الجدير بالذكر أن الكتاب نال إشادة نقدية لافتة من قبل العديد من الجرائد المهمة في بريطانيا كالفايننشال تايمز وغيرها.
وجدت شخصياً،العبارة الشعرية البدوية التي ختم بها الكاتب مقدمة كتابه، ذات دلالة قوية ومؤثرة تصلح لوصف الحدث السوري بدقة.
“خيم الليل والذيب بان نابه
قلنا ضاع الحلال والمال ونعيمه
قصدنا رب السما يسخر لنا حبابه
جانا الفرج من نشامى بيمو.
من هم النشامى الذين يغيثون سوريا الآن؟وحده السوري الذي ينام جائعا على الطوى وصابرا على مرارة الأيام يملك الإجابة.
