الخوري أنطوان الدويهيّ –
الأول نيوز – كم استوقفتني حكمة تقول: “منذ صغري أردتُ أن أصلح العالم… ولكن، عندما كبرت فهمتُ أمرًا واحدًا، أنَّه يجب أن أصلح ذاتي”.
لذلك مع تقدُّمي في العمر، تعلَّمتُ عدم انتقاد الناس حتَّى عندما أدرك جيِّدًا أنَّهم على خطأ، وخطأ فادح. فبالتالي لم يعد يهمُّني إصلاح الناس وجعلهم مثاليِّين. فالسلام مع الآخرين أفضل من الكمال الوهميّ الذي أحاول أن أبنيه على عرش من غبار.
أتذكَّر أحداثًا مرَّت بحياتي أضحك عليها اليوم بحسرة، لأنَّني تصرَّفت فيها كجاهل أو كأبله. كم كنتُ غبيًّا عندما أردتُ إظهار حكمتي للناس، لأقول لهم إنَّهم يتصرَّفون بطريقة خاطئة، أو يفكِّرون تفكيرًا خاطئًا، أو يقولون أشياءَ تافهة! كم بدوتُ سخيفًا عندما تباهيت بأنَّني انتصرتُ على صديق أو رفيق أو قريب أفحمته بجوابي أو أسكتُّه في ردّي القاسي عليه!
وكم كنتُ ضعيف العقل عندما أُقحمتُ في جدال مع إنسان استطاع أن يقنعني بفكرته فشعرت وقتها كم أنا صغير وجاهل وما زلت أفتقر إلى العلم والثقافة! كم سبَّبت لي تلك الأمور من حزن وغمّ، فامتلأت مخدَّتي ليلاً دموعًا ساخنة، عدا الأرق والسهر والتفكير في “الانتقام” وردِّ الاعتبار…
ما زلتُ أذكر موقفًا عدائيًّا اتَّخذتُه مع صديق لي، دام فترة لا بأس بها، لمجرَّد أنَّه غلبني في لعبة اعتبرتُ نفسي بطلاً فيها دون منازع. فانزويتُ في غرفتي ورفضتُ الخروج للعب مع بقيَّة الرفاق حتَّى كدتُ أفقد صحبتهم بسبب “كبريائي”، ولولا تدخُّل أمّي التي علَّمتني أنَّ في الحياة ربحًا وخسارة، لبقيتُ قابعًا في غرفتي إلى ما لا نهاية، ولكنتُ خسرتُ كلَّ رفاقي وأترابي وأصدقائي. وهؤلاء الأصحاب ما زلتُ على علاقة جيِّدة معهم اليوم، بالرغم من المسافات البعيدة بيننا.
واليوم، أحيانًا كثيرة أُحجم عن الردِّ في مواقفَ مماثلة، ولكنَّني ما زلتُ أقع أحيانًا أخرى، في ما يُدعى حبَّ الذات أو إثباتَ وجود، فيسعى الأنا الزائف فيَّ أن يتغلَّب على روح المسامحة والتواضع.
أعرف اليوم جيِّدًا أنَّني كلَّ مرَّة أسكت فيها أتغلَّب فيها على ذاتي المتكبِّرة، وكلَّ مرَّة أردُّ فيها على آخر، أترك لذاتي أن تسيطر عليَّ، فأسمع صوت بولس الرسول يردِّد فيَّ قائلاً: “من ينقذني من جسد الموت هذا؟”والعبرة الأبرز هي أنَّ السلام الذي أجنيه من سكوتي أكثر غبطة من الانتصار الذي أناله من كلامي، كما يقول عمر بن الخطّاب: “ما ندمتُ على سكوتي مرَّة لكنَّني ندمت على الكلام مرارًا”.
تمرُّ السنوات سريعًا، ولا يبقى في البال إلاَّ الذكريات. وما أجمل تلك الذكريات التي تحمل إلينا الحنين والفرح! وما أتعسها تلك التي تحمل معها الغضب والحزن! يا ليتني أتعلَّم من الماضي لأجعل من مستقبلي فرحًا وسلامًا دائمًا!
في النهاية، أنا وحدي المسؤول عن سعادتي في هذه الدنيا، فإمّا أن أحافظ عليها أو أخسرها بملء إرادتي. وما هو يقين عندي، أنَّني أنا وحدي المسؤول أيضًا عن سعادتي في الآخرة! وأسعى جاهدًا للحصول عليها…