الاول نيوز – صلاح ابو هنّود
مخرج وكاتب
في هذا العالم، لا يقع “الجنون” مصادفة، ولا تُسفك الدماء في المحيطات الجيوسياسية عبثاً. ما يشهده العصر الحديث من حروب بالوكالة، وصعود متزامن للمجموعات الراديكالية، وفزاعات أسلحة الدمار الشامل، وتضخيم الإسلاموفوبيا، والتجييش لنبوءات المحرقة الكبرى، ليس سوى “هندسة عقلانية متوحشة” أُلبست لبوس العماء والجنون.
إن الفلسفة التي تحكم هذا العالم ليست فلسفة قيم أو أيديولوجيات، بل هي فلسفة الوظيفية؛ حيث لا تُقاس الأشياء والحركات والأفكار بحقانيتها أو إنسانيتها، بل بمدى “كارثيتها النافعة” لمن يمسك بزمام اللعبة.
الفلسفة الحاكمة: إدامة الخوف لتخليد الهيمنة
يعتمد هذا النظام العالمي في إدامة وجوده على ثنائية حاسمة: العدو الفزاعة، والاقتصاد الأسود.
العدو المصنوع بعناية:
لكي تستمر منظومة القوة والعولمة المتوحشة في فرض سطوتها، لا بد لها من “آخر” يُجسد الشرير المطلق. الراديكالية والعنف التكفيري لم يكونا يوماً نبتة تلقائية جففها التاريخ ففرخت؛ بل هما منتج استخباراتي واجتماعي تم تصميمه بآليات محددة. الشحن العقائدي هو الوقود المجاني الذي يحول المقاتل البسيط إلى حطب في محرقة لا يعلم من أوقدها، في حين يُستغل فعل هذا المقاتل لتسويغ كل شطط في القوة، واستباحة السيادات، وتفكيك الجيوش الوطنية.
تسليح النبوءة (سيكولوجيا المعركة الفاصلة):
عندما تصل الصراعات السياسية والاقتصادية إلى طريق مسدود، يُستدعى “المقدس المزيّف”. تحويل الصراع على النفط والنفوذ والممرات المائية إلى “حرب نهايات الزمان” هو أعلى درجات الخديعة. إنه التجريد الكامل للضحية من إنسانيتها، وإقناع الشعوب بأن المذابح البشرية ليست جرائم حرب، بل هي “حتمية قدرية” يجب التسليم بها والتصفيق لها.
من المستفيد من هذا “الجنون القاتل”؟
إذا تتبعنا مسار الدم والمال، ينقشع غبار الأيديولوجيا لنرى أربعة أطراف حصدت المليارات والسطوة من هذا الخراب:
مجمع الصناعات العسكرية وأمراء الحرب:
العدو الدائم يعني ميزانيات دفاع مفتوحة، وصفقات سلاح بمليارات الدولارات، وتدفقاً لا ينقطع لأرباح الشركات العابرة للقارات التي تحيا على دمار الشعوب وإعادة إعمار ما دمرته.
شبكات الجريمة والاقتصاد الرمادي:
التغاضي المنظم عن تجارة المخدرات، وتهريب السلاح، وغسيل الأموال في مناطق الصراع ليس زلة أمنية، بل هو شريان التمويل التحت أرضي (الميزانيات السوداء) الذي يغذي العمليات السرية دون الخضوع لرقابة البرلمانات أو القانون الدولي.
الأنظمة السلطوية وتجار الفزع السياسيون:
شيطنة الآخر عبر “الخوف من الإسلام” وتهويل الأخطار الخارجية يمنح السلطويات والغرب المتطرف على حد سواء ورقة الجوكر: إلغاء الحريات، تقييد الشعوب، وتبرير الفشل الاقتصادي والاجتماعي بداعي “لا صوت يعلو فوق صوت المعركة ضد الإرهاب”.
مهندسو الخرائط الجدد:
المستفيد الأكبر هو من يعيد رسم المنطقة على أساس كانتونات طائفية وإثنية متناحرة، مما يضمن بقاء العالم العربي والإسلامي في حالة استنزاف واقتتال داخلي دائم، ويحمي التفوق الاستراتيجي للمشاريع الاستعمارية في المنطقة.
إن هذا “الجنون القاتل” ليس خروجاً عن السيطرة، بل هو السيطرة بحد ذاتها؛ إنه طريقة العالم الحديث في إدارة أزماته وتصديرها إلى أجساد الشعوب المغلوبة.
المأساة الكبرى لا تكمن فقط في القتلة الذين يحملون السلاح، بل في المنظومة الكاملة التي نصبت المأساة، وكتبت السيناريو، ووفرت التمويل، ثم جلست في المقاعد الأمامية لتبيع للتاريخ وهم “الحرب على الإرهاب”، بينما هي في الحقيقة الحرب بالإرهاب ولأجل الهيمنة.
موقع الأول نيوز الأخباري كن أول من يعلم