جمال القيسي –
تنصف الرؤية الموضوعية دور المثقف الحقيقي وتعترف له بانتصاره لـ (دوره الثقافي) وتشبثه به، ودوام الإيمان بثلج نيران قضيته، وتثبت له عدم الاستسلام كما في حال السياسي لمخرجات السياسة لا سيما الدولية، وما تبسطه من إملاءات، لا يملك إزاءها إلا الإذعان والانبطاح، لا بل و الدفاع عن تلك الإملاءات والموت دونها، لإقصاء الآخر / المثقف الذي من المفترض أن دوره هو التصدي لكل ما ينال من الهوية والكينونة والمثابرة بكل الطرق لها لدحضها وكشفها، وإبطال زيفها، وإظهار مدى سفحها للحقيقة والكرامة والحرية والتفكير المستقل.
بالطبع يصل استعمال “المثقف” لأدواته وحد التماهي مع ما يستلزمه دوره الريادي الذي يتفوق فيه على “السياسي” دوما، تجاه ما يمس منظومة قيمه العليا في مجتمعه ومكوناته الثقافية الكلية.
ولأن المثقف يعي الدور الذي انتهجه (كما هو مفترض وواجب) فإنه المدرك للأهوال التي ستضر بما حوله من بنى اجتماعية واقتصادية وحتى نفسية نتيجة الانقياد وقلة حيلة السياسي الهزيل وضعف مقاومته وتبعيته، أو ادعائه الحكمة المطلقة في صواب الارتهان للمتبوع.
لاشك أن “السياسي” العربي مأزوم في أوحال واقعه، ولا يحسد عليها، ولا يخفى استسلامه للراهن الملقى على عاتقه، ولا يستطيع له دفعا، وعليه لا غرابة منه حين يصدر أزماته (الخارجية) إلى (الداخل) حيث لن تجد هذه المعادلة قشا تحرقه من غير بيادر “المثقف”.
إضافة إلى ذلك نرى تصدي ومغالاة “السياسي” ومؤسساته وأذرعه في تأكيد (حقهما) في وجوب صمت المثقف العربي وسكوته، رغم أن الأخير لم يكن سببا في أية ممارسات أو كوارث ثقافية مباشرة أدت إلى تشكل المشهد على هذا النحو ـ (غياب الديمقراطية على وجه الخصوص) – لا بل إنه لطالما حذر المثقف السياسيّ منها بالتنظير وفي حالات قليلة شكل حالة استبسال لمناهضتها.
ولربما من المتوقع انسحاب المثقف من المشهد تاركا للسياسي حصد ما زرعت يداه واستبداده بفردانية القرار، وزعم احتكار “الحقيقة المطلقة”، وما أودى بالمشهد إلى التهلكة، وقبل ذلك الانسياق وراء الإملاءات حد التضحية وفوق رغبة وحلم من يملي عليه، على كل كافة الأصعدة (السياسي واضح المعالم ولا يحتاج أمثلة من رقعة خريطة العالم العربي، فكلها يشملها المثال.
رغم ذلك لزاما على “المثقف” أن يدرك دائما أنه لا يستطيع الانسلاخ عن قضيته أو المساومة عليها، فخرق السفينة، بالتأكيد سيهلك الجميع، وبحر الفوضى وسيبتلع عند ذلك وثقافته وهويته بل وجوده ذاته!
وهنا يتوجب على “المثقف” اعتبار ما يجري بوصلته وهمه الذي لا ينقشع بغير ما خطه لذاته بفضل وعيه ونقائه، وأن يكون النضال في وجه السقوط استمرارا لدوره التنويري القديم الكبير لا رمزا أو انسياقا لمرحلة ما، مهما بلغت دقتها.
العلاقة بين المثقف والسياسي مثار خلاف واختلاف دوما، وتاريخيا، إلا أن محاذاتهما لكوارث “ريح الإملاءات” تؤكد حقيقة تشاركهما الواقعي في التصدي للريح، مهما عتت وحتمية اتقاء تلك الريح معا، ولكن بعد أن فهم السياسي تلك غادر وجه الريح، ومن شدة خشيته حتى المطر هرب (السياسي) بمظلته، وهو ما لا ينبغي ولا يليق بالمثقف الذي عليه أن يبتل إلى حين الوصول إلى حين نضوج ثماره التي لا تتوقف على أقل من ثلاثة أجيال، مجابها محاولات واستمالات وإغراءات إجباره على الاقتناع بالانضواء تحت مظلة “السياسي” وفق ما يريد، والذي هو واقعا مملى عليه بالكامل، ولربما لا يريده أحيانا، لكن هذا لا يعفيه من وصمة الهزيمة والسقوط.
الحال ذاك هو ما أدى إلى بقاء الاثنين (المثقف والسياسي) في وجه الريح وتحت وابل المطر، والذي من الممكن تداركه لو اتفق المثقف والسياسي (السياسي الحزبي المقصود هنا لا السلطوي) على نهج معين لتداركك الملمات، وعلى طريقة السير معا تحت مظلة واحدة كرافعة للرؤى، وبخطى محددة الاتجاه، نحو القيم العليا التي إن تحققت فلن تحرم السياسي من نتائجها على الإطلاق، بل لعله خير من تعود عليه بالاستقرار، لتمكين شكل الدولة وإنجاز المدنية والديمقراطية والمساواة.
إلا أن السياسي – على الدوام- متوجس من المثقف الحقيقي خيفة، ويراه عبئا ثقيلا على استرخائه وتقاعسه إزاء الداخلي والخارجي، ويحرمه من تنفيذ التبعية بإخلاص أشد! ويرى في المثقف تهديدا خطيرا على بقائه، وقنبلة موقوتة قد تأتي على أخضر حاضره المحتوم ويابس ماضيه المرسوم(كلما قابلت مثقفا تحسست مسدسي). السياسي مرعوب من المثقف حين يكون حقيقيا، لا دعي ثقافة يتوسل باب السلطان منتظرا عبارة: “ألق له صرة ذهب يا غلام”!
هل يعني هذا أن الواجب أن تستنفر الثقافة قواها كي تعيد الأمور إلى نصابها، وامتشاق دورها، وجلاء حقيقة أن المثقف أعلى شأنا من السياسي في تشكيل ورسم المجتمعات، مهما تطلب ذلك من نضال، فما الوجود الهش للسياسي جذريا، والمتين ظاهرا إلا بإرادة المثقف العربي الذي تقاعس (على مر عقود مريرة) عن أداء دوره التنويري بين الجماهير، وعدم الامتثال لحقيقة (المثقف مكانه الشارع).
السؤال موجه إلى المثقفين ويعي لبه المثقف العضوي في المقام الأول الذي عليه مواصلة دوره الطليعي الشاق، وبالقدر الذي يفرضه عليه ضميره، ولا يأبه لو تحترق أصابعه من جمر الحقيقة التي يعرفها أكثر من سواه.
فإن لم يفعل فلن يختلف عن دور السياسي في كارثية المشهد.
الوسومأين يقف المثقف من السياسي؟ الأول نيوز جمال القيسي
شاهد أيضاً
النقل البري: لا مساحة للنقل “غير المرخص” في سوق الركاب
الاول نيوز – قال المدير العام لهيئة تنظيم النقل البري، رياض الخرابشة، إن الهيئة حررت …
موقع الأول نيوز الأخباري كن أول من يعلم