الأول نيوز – بقلم: د. أحمد ناصر الطهاروه
حتى هذه اللحظة، لا يوجد قرار رسمي معلن بعقد دورة استثنائية لمجلس الأمة، إلا أن المؤشرات السياسية والإدارية المتداولة ترجّح بقوة انعقادها خلال الصيف المقبل، خصوصًا مع الحديث المتزايد عن وجود حزمة قوانين تعتبرها الحكومة “ذات أولوية”، وفي مقدمتها قانون الإدارة المحلية.
اللافت أن طرح هذا القانون المحتمل في دورة استثنائية يحمل دلالات سياسية وإدارية عميقة، لأن الحكومة تدرك أن قانون الإدارة المحلية يعيد رسم العلاقة بين المركز والأطراف، وبين القرار المحلي والسلطة التنفيذية.
فالقانون المقترح يمس بصورة مباشرة صلاحيات البلديات، ودور مجالس المحافظات، وشكل اللامركزية، وآليات توزيع المشاريع التنموية، إضافة إلى طبيعة العلاقة بين المحافظ، والوزارة، والمجالس المنتخبة. وهذه كلها ملفات شديدة الحساسية، لأنها ترتبط بالتمثيل المحلي، والإنفاق العام، والنفوذ الإداري، وحتى بالتوازنات السياسية داخل المحافظات.
الحكومة، من جهتها، تنظر إلى المشروع باعتباره جزءًا من عملية “إصلاح إداري” واسعة تهدف إلى تقليص الترهل الإداري، وضبط الإنفاق، وتعزيز الرقابة على المال العام، وإعادة توزيع الصلاحيات بطريقة أكثر مركزية وانضباطًا. كما ترى أن التجربة السابقة للامركزية أفرزت تداخلًا في الاختصاصات، وبطئًا في الإنجاز، وتعددًا في مراكز القرار، الأمر الذي انعكس على كفاءة الخدمات والمشاريع التنموية.
لكن في المقابل، فإن جزءًا واسعًا من الجدل الدائر حول القانون يتعلق بالخوف من أن يتحول مفهوم “الإصلاح الإداري” إلى مدخل لإعادة تركيز السلطة بيد المركز، وتقليص المساحة الفعلية للإدارة المحلية المنتخبة.
فاللامركزية، في جوهرها، فلسفة حكم تقوم على توسيع المشاركة المحلية في صنع القرار التنموي، ومنح المحافظات قدرة أكبر على تحديد أولوياتها وفق احتياجاتها الواقعية، لا وفق الرؤية المركزية وحدها.
ومن هنا، فإن أي تعديل على قانون الإدارة المحلية يجب أن يوازن بدقة بين أمرين: الحاجة إلى رفع كفاءة الإدارة وضبط الإنفاق من جهة، والحفاظ على استقلالية القرار المحلي وتعزيز المشاركة الشعبية من جهة أخرى.
كما أن توقيت طرح القانون في دورة استثنائية – إن حدث – سيحمل أبعادًا سياسية مهمة، لأن الدورات الاستثنائية بطبيعتها تكون محددة بجدول أعمال ضيق، ما يعني تقليل مساحة النقاش السياسي العام، وحصر الجدل داخل إطار تشريعي محدد. وهو ما قد تراه الحكومة وسيلة مناسبة لتمرير قوانين حساسة بعيدًا عن حالة الاستقطاب أو التوسع في الملفات الرقابية والسياسية.
السؤال الأهم اليوم هو: أي نموذج للإدارة المحلية تريده الدولة الأردنية في المرحلة القادمة؟
هل نحن أمام تطوير حقيقي لفكرة اللامركزية وتحسين أدواتها؟
أم أمام إعادة إنتاج المركزية بصيغة إدارية جديدة؟
الإجابة عن هذا السؤال ستحدد شكل العلاقة بين الدولة والمجتمع المحلي لسنوات طويلة قادمة، لأن قانون الإدارة المحلية يرسم حدود السلطة، والتنمية، والتمثيل، داخل الدولة الأردنية الحديثة.
موقع الأول نيوز الأخباري كن أول من يعلم