ولا تزال الاجواء مشحونة بين عناصر من حركة “فتح” وأخرى خارجة أو منشقة عن مجموعات تصف نفسها بالإسلامية منذ أن بدات الاشتباكات قبل اسبوعين.
وأرخى الحدث الأمني المفاجئ ثقله على أكبر مخيمات لبنان، والذي يعاني أساسا من الفقر المدقع، حيث يشهد حركة نزوح واسعة داخله وإلى خارجه شملت المئات من سكانه الذين يهربون مع أطفالهم وبعض أمتعتهم خوفا من القذائف والرصاص العشوائي، كما لجأ بعضهم إلى المساجد، فيما فتحت الأونروا أبواب المدارس لمئات الأسر الهاربة.

ما قصة التدهور الأمني؟
بلغت الاشتباكات ذروتها مع إعلان مقتل العرموشي ومرافقيه فيما كان في طريقه لإنجاز تسوية تسليم قاتل أحد الشبان الإسلاميين ليل السبت 29 يوليو/تموز الجاري، حيث كانت الشرارة الأولى للمواجهة.
وبحسب معطيات ميدانية، أطلقت النار باتجاه شباب محسوبين على قوى إسلامية، فقُتل شخص يدعى عبد فرهود وجُرح 3 آخرون في عملية وصفت بأنها “ثأرية”.
وقال قائد الأمن الوطني الفلسطيني بلبنان اللواء صبحي أبو عرب -من داخل مخيم “عين الحلوة”- إن الوضع شديد الحساسية والاشتباكات متأزمة، وهو ما عكسته أصوات عنيفة للقذائف والرصاص.
واعتبر أبو عرب أن ما يحدث رغم خطورته “مفهوم، لأن اغتيال العرموشي بكمين غادر مسألة كبيرة جدا، خصوصا أنه كان يعمل على وساطة لتهدئة الأوضاع ووقف أي عملية ثأرية على خلفية ما حصل يوم السبت الماضي”.
وقال أبو عرب إن حركة فتح منفتحة على أي تسوية لتهدئة الوضع، شرط إجراء تحقيق شفاف ومحاسبة من يثبت تورطهم بمقتل العرموشي ورفاقه، وتحدث عن مساع واتصالات حثيثة تجريها معهم قوى فلسطينية ولبنانية، وعلى رأسها حزب الله وحركة أمل
استهداف للوجود الفلسطيني
من جانبه، يقول ممثل حركة حماس في لبنان الدكتور أحمد عبد الهادي إن مقتل العرموشي شكل إطاحة لمساعي تسليم قاتل فرهود المنتمي إلى الحالة الإسلامية بالمخيم.
وأوضح عبد الهادي أن العرموشي تكفل بتسليم المطلوب الذي ينتمي إلى حركة فتح للجيش اللبناني، و”كدنا نصل لاحتواء التوتر الأمني فجرى اغتياله”.
ويرفض عبد الهادي وصف “عين الحلوة” بالبؤرة الأمنية أو أنه خارج السيطرة “لأن ما يشهده بمثابة استهداف خارجي للوجود الفلسطيني، ولا سيما بلبنان”. ويقول “نواصل التنسيق والتواصل مع الدولة اللبنانية -وتحديدا مخابرات الجيش- لبلوغ تثبيت وقف إطلاق النار”.
ويُذكّر عبد الهادي بأن الدولة اللبنانية لها السيادة على أراضيها “لكن ظروف الوجود الفلسطيني منذ النكبة، فرض واقعا للمخيمات، حيث تديرها داخليا الفصائل الفلسطينية، ولا يدخلها الجيش اللبناني، وذلك بالتنسيق الكامل معه بالمسائل الأمنية ولدى تسليم المطلوبين”.
ويفرض الجيش اللبناني حاليا تدابير مشددة على طرقات صيدا خشية أن تطالها رشقات الاشتباكات، وندد سابقا بتعرض أحد مراكزه القريبة من المخيم لقذيفة هاون وإصابة عناصره بجروح طفيفة.
ولم تُعلن بعد الحصيلة الرسمية للخسائر، وتتضمن ما لا يقل عن 6 قتلى و30 جريحا، إضافة إلى الخسائر المادية.

“توقيت مشبوه”
وكان لافتا موقف رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي الذي اعتبر أن توقيت الاشتباك مشبوه وفيه استخدام للساحة اللبنانية لحسابات خارجية، و”في ظل مساعي مصر لوقف الخلافات الفلسطينية- الفلسطينية”.
وهنا، يوافق الكاتب والمحلل السياسي حسين أيوب على مسألة الشبهة بالتوقيت، مضيفا إليها عناصر التفجير الدائمة بالمخيم “حيث لا مرجعية سياسية وأمنية واضحة فيه، ناهيك عن الواقع الاجتماعي الكارثي”، مع ارتباط الحدث بسياق التطورات الإقليمية للقضية الفلسطينية وانعكاسها على المخيمات.
قصة عين الحلوة
تأسس مخيم عين الحلوة بعد النكبة سنة 1948، وهو أكبر مخيم بلبنان من بين 12 مخيما للاجئين الفلسطينيين، وأكثر من شهد توترات أمنية بتاريخ البلاد.
ويعيش سكانه ظروفا مأساوية تضاعفت منذ عقدين بفعل الإجراءات الاستثنائية التي يفرضها الجيش اللبناني بمحيطه، كما أن مخارجه محددة بـ4 فقط تخضع للمراقبة على مدار الساعة، ناهيك عن معاناته من أزمة الكثافة السكنية والبناء العشوائي وهو المحدد بكيلومتر مربع واحد، يسكنها أكثر من 63 ألف لاجئ، كما أنه يؤوي عددا كبيرا من المطلوبين والفارين من العدالة.
ويضم المخيم عددا من الفصائل الفلسطينية، أبرزها حركة فتح وعصبة الأنصار وجبهة التحرير الفلسطينية والقوى الإسلامية الأخرى.
وفي هذا الشأن، تحدث حسين أيوب عن “تراجع حضور فصائل منظمة التحرير وعمودها الفقري حركة فتح بعين الحلوة لمصلحة القوى الإسلامية ومجموعات غير منظمة، وتحوله منذ سنوات إلى محميات وجزر أمنية، كل مجموعة لها بلوك خاص فيها”.
ويرى أيوب أن “مخيم عين الحلوة يختصر كل تناقضات المشهد الفلسطيني التي لا تتوفر بساحة أخرى لا داخل فلسطين ولا بالشتات، لأنه الوحيد الذي يضم كل الحساسيات الفلسطينية من كبيرها لصغيرها، ناهيك لتداخله عضويا مع مدينة صيدا، كما أنه جزء من بوابة الجنوب اللبناني، أي الشريان الذي يتنفس من خلاله حزب الله بطريقه نحو العاصمة”.
ويتحدث أيوب عن أثر تصاعد نفوذ القيادي الفلسطيني البارز محمد دحلان في عين الحلوة، وارتباطه الإقليمي، إضافة إلى تأثر المخيم بالفراغ السني المتمادي في لبنان. (وكالات والجزيرة نت)