ذاكرة وطن… حين يضيء الفرد التراث الوطني

الأول نيوز – المهندس / أحمد حسين السرحان

من قلب مدينة السلط، عاصمة محافظة البلقاء الأردنية،
وذات المجد والتاريخ في التعليم والبطولات،
نجد بيوتها وممراتها تحكي قصص الماضي بروحٍ من الأصالة، ومن شواهدها بيتٌ حجري بُني قبل 145 عامًا. ظل هذا البيت، بما يحمله من ذاكرة أجيال، مهجورًا لأكثر من 60 عامًا، تغطيه الأتربة وتنهشه الرطوبة، حتى كاد أن يُطوى في طيّات النسيان… إلى أن جاء شابٌ أردني اسمه “أكثم”، وقرر أن يُغيّر القصة.

استمرت رحلة أكثم ثلاث سنواتٍ كاملة، قضاها بين الحجارة العتيقة والأخشاب البالية، يُرمّم بصبر، ويجمع موافقات أكثر من خمسين وريثًا، ويُحوّل الصمت الطويل إلى حياة.
وكانت النتيجة: ولادة “كافيه الأكثم”، الذي لم يعد مجرد مقهى، بل أصبح شاهدًا حيًا على أن التراث، إذا أُحسن استثماره، يمكن أن يتحوّل إلى مشروع نابض بالاقتصاد والجمال.

هذه القصة ليست استثناءً، بل تمثل صورةً مصغّرةً عن الأردن بأكمله. فنحن نمتلك تراثًا عريقًا، من البترا كإحدى عجائب الدنيا الخالدة، إلى وادي رم كأيقونة عالمية، مرورًا بجرش وأم قيس وما فيهما من عبقٍ تاريخي.

وفي مملكتنا المتينة، نعتز أيضًا بتراث بدوي راسخ، يعكس قيم الفروسية والكرم، إلى جانب حياة ريفية ثرية بالحرف والأغاني والأكلات الشعبية. هذا كله ليس مجرد ذاكرة من الماضي، بل رأس مال وطني قادر على النهوض بالاقتصاد، ووضع الأردن في موقعٍ متقدّم على الخريطة العالمية.

لكن الحاجة باتت ملحّة اليوم للالتفات الجاد إلى هذا الإرث، لحمايته من النسيان والتهميش، والاهتمام بمهرجاناتنا التراثية لتكون منصات اقتصادية وسياحية مستدامة.

لقد آن الأوان لأن ننتقل من إدارة “المناسبات” إلى صناعة “المهرجانات”، وأن تعمل الجهات الثقافية والمؤسسات المعنية على تطوير فعاليات تنافسية ورياضية بطابع أردني أصيل، تنطلق من الهوية والموروث الشعبي، من سباقات الهجن، إلى مهرجانات الفروسية، إلى مسابقات الصقور وراليات الصحراء.
فعاليات من هذا النوع قادرة على خلق فرص عمل، وجذب استثمارات، وتعزيز مكانة الأردن كوجهة تراثية عالمية.

إن التراث الأردني ليس عبئًا على الحاضر، بل هو مشروع وطني يحتاج إلى رؤى تدرك قيمته، وتعرف كيف تُحوّله إلى اقتصاد معرفي وثقافي. وما فعله أكثم في بيتٍ واحدٍ في السلط، يمكن أن يتحوّل إلى رؤية وطنية شاملة، تُعزّز صورة الأردن الجميلة، وتفتح أمام الشباب آفاقًا جديدة للعمل والإبداع، وتمنح الوطن قوةً تليق بهويته ومكانته.

وبهذه المناسبة، أُوجّه تحية تقدير إلى أكثم على جهده وإيمانه بإنجازه، داعيًا له بالمزيد من التوفيق، ليبقى نموذجًا مُلهِمًا في تحويل التراث إلى حياة.

عن Alaa

شاهد أيضاً

الإعلام الرقمي والسوشيال ميديا ودورهما في الاحتفالات بيوم العلم الأردني

الأول نيوز – مارسيل جوينات يعد الإعلام الرقمي ووسائل التواصل الاجتماعي من أهم الأدوات الحديثة …