الأول نيوز – د. أحمد ناصر الطهاروه –
أصبحت الجرائم الأسرية مؤشرات مقلقة تستدعي وقفة جادة أمام منظومة إدارة النزاع الأسري برمتها. الجريمة الأخيرة التي هزّت المجتمع الأردني، والتي أقدم فيها أب على قتل أبنائه انتقامًا من زوجته على خلفية خلافات أسرية ودعاوى منظورة أمام القضاء، تضعنا أمام سؤال بالغ الحساسية: هل نقف فقط عند إدانة الفعل، أم نذهب أبعد من ذلك لفهم السياق الذي أنتجه؟
بدايةً، لا خلاف على أن ما جرى جريمة مكتملة الأركان، لا يبررها خلاف ولا يخفف من وطأتها حكم قضائي. فالحق في الحياة هو أقدس الحقوق، وأي اعتداء عليه يظل خارج دائرة التفسير التبريري. غير أن الاكتفاء بالإدانة، رغم ضرورته، لا يكفي وحده لمنع تكرار مثل هذه الجرائم.
إن النظر في مثل هذه القضايا يقودنا إلى إعادة تقييم الإطار التشريعي الناظم للعلاقات الأسرية، وعلى رأسه قانون الأحوال الشخصية الأردني، لا من باب اتهامه أو الطعن في فلسفته، بل من زاوية تطويره وتعزيز عدالته التطبيقية.
فالقانون، في جوهره، يقوم على حماية مصلحة الأسرة، ويمنح الحضانة وفقًا لمعيار “المصلحة الفضلى للمحضون”، كما يرتب النفقة باعتبارها التزامًا على الأب. وهذه قواعد راسخة، لا جدال في مشروعيتها. لكن الإشكالية لا تكمن دائمًا في النص، بل في كيفية تطبيقه، وفي مدى شعور الأطراف بعدالته.
في بعض الحالات، قد يشعر أحد أطراف النزاع، خصوصًا الأب، بأنه فقد دوره داخل الأسرة، أو أن القرارات القضائية قد أخرجته من دائرة التأثير، الأمر الذي يولد حالة من الاحتقان النفسي، قد تتفاقم في ظل غياب آليات احتواء فعالة. وهنا لا نتحدث عن تبرير، بل عن قراءة واقعية لعوامل الخطر.
إن غياب المعالجة النفسية والاجتماعية للنزاعات الأسرية الحادة يشكل ثغرة حقيقية. فالمحاكم، رغم دورها الحيوي، ليست مؤسسات علاج نفسي، ولا يمكن أن تكتفي بإصدار الأحكام دون وجود منظومة موازية قادرة على تفكيك التوتر وإدارة الصراع. وهنا يبرز دور دائرة قاضي القضاة في تطوير أدواتها، ليس فقط على مستوى القضاء، بل على مستوى الإرشاد الأسري والتدخل المبكر.
إن الحاجة اليوم ليست إلى إعادة صياغة القانون بقدر ما هي إلى إعادة تفعيل روحه. فالمصلحة الفضلى للطفل تتحقق بضمان بيئة نفسية مستقرة، وعلاقة متوازنة مع كلا الوالدين. كما أن النفقة، وإن كانت حقًا، يجب أن تُدار ضمن معايير تراعي القدرة الواقعية، بما لا يولد شعورًا بالظلم أو الاستنزاف.
ومن هنا، فإن تطوير قانون الأحوال الشخصية يجب أن يتجه نحو:
تعزيز الوساطة الأسرية الإلزامية في النزاعات الحادة.
إدخال التقييم النفسي كأداة مساندة في القضايا ذات الخطورة المرتفعة.
منح القضاء مرونة أوسع في تقدير ظروف كل حالة على حدة.
بناء منظومة متابعة بعد صدور الأحكام، لا تترك الأطراف لمصيرهم.
إن أخطر ما في هذه الجرائم هو احتمال تكرارها إذا لم نقرأ رسائلها بعمق. فالقانون، مهما بلغ من الدقة، يبقى إطارًا يحتاج إلى أدوات تطبيق إنسانية تراعي تعقيد النفس البشرية.
إن العدالة لا تُقاس فقط بنصوص القانون، بل بقدرتها على تحقيق التوازن، ومنع الانفجار، وصون كرامة الإنسان… قبل أن تتحول الخلافات إلى مآسٍ لا يمكن إصلاحها.