صلاح ابو هنّود –
مخرج وكاتب
الأول نيوز – يدخل العام الجديد علينا لا كضيفٍ خفيف، بل كمرآةٍ قاسية. لا يطرق الباب بهدوء، بل يقتحمه محمّلًا بأسئلة لم نجد لها إجابات في العام الذي انقضى. نقف عند عتبته ونحن مثقلون بالصور، بالدم، بالخراب، وبذلك الشعور الغامض الذي لا نعرف إن كان غضبًا من عالمٍ فقد إنسانيته، أم خجلًا من عجزنا عن إنقاذ ما تبقى منها.
العام الجديد لا يأتي أبيضَ الصفحة كما نحب أن نتخيل. يأتي وقد التصق به رماد الإبادة، وصدى صراخ المدن المهدّمة، ووجوه الأطفال التي كبرت فجأة لأن العالم قرر أن يسرق منها الطفولة. يأتي ونحن نعرف، أكثر من أي وقت مضى، أن الزمن لا يشفي وحده، وأن السنوات لا تصلح ما لم تُصلح القلوب والعقول أولًا.
ومع ذلك، ورغم كل هذا السواد، لا يموت الأمل. يضعف، ينكمش، يتوارى خلف الركام، لكنه لا يمّحي. الأمل ليس رفاهية شعرية نتمسك بها في الخطب، بل غريزة حياة. هو تلك القدرة الغريبة لدى الإنسان على أن يقول “غدًا” حتى وهو محاصر بالموت. أن يزرع فكرة، أو كلمة، أو موقفًا، وهو يعلم أن الحصاد قد لا يكون له، بل لمن يأتي بعده.
في العام الجديد، نحن بأمسّ الحاجة إلى إشراقات أمل صادقة، لا شعارات فارغة. نحتاج أملًا في إنقاذ الإنسان من التحول إلى رقم في نشرات الأخبار، أملًا في استعادة معنى العدالة في عالمٍ بات يبرر القتل بلغة السياسة، أملًا في أن يعود الضمير قيمة فاعلة لا مجرد ذكرى أخلاقية. نحتاج أملًا في أن تنتصر الحقيقة، لا لأنها أقوى، بل لأن الكذب مهما طال عمره ينهار من داخله.
نحتاج أملًا في الوعي، لأن الإبادة لا تبدأ بالقنابل، بل بالفكرة التي تجرّد الآخر من إنسانيته. نحتاج أملًا في الثقافة، في الكلمة التي تقاوم، في الفن الذي يفضح القبح، في السؤال الذي يربك المسلّمات. نحتاج أملًا في أن يتعلّم العالم أن القوة لا تصنع حقًا، وأن التاريخ لا يرحم من يقف في الجانب الخطأ مهما طال انتصاره المؤقت.
العام الجديد ليس وعدًا بالسعادة، بل فرصة للمواجهة. مواجهة مع الذات قبل العدو، مع الصمت قبل الصراخ، مع الخوف قبل الأمل. هو اختبار لقدرتنا على أن نبقى بشرًا في زمنٍ يُكافئ القسوة، وعلى أن نتمسك بالحياة لا لأنها سهلة، بل لأنها تستحق أن تُعاش بكرامة.
بين رماد الإبادة وآمال الحياة، نقف نحن. لا أنقياء تمامًا ولا مهزومين بالكامل. نحمل جراحنا ونسير. وربما تكون أعظم أمنيات العام الجديد ألا نفقد قدرتنا على الإحساس، ألا نعتاد المشهد، وألا نصالح أنفسنا مع الظلم. فطالما ما زلنا نشعر، ما زالت الحياة ممكنة، وما زال للأمل، رغم كل شيء، مكانٌ يتنفس فيه.
موقع الأول نيوز الأخباري كن أول من يعلم