الثلاثاء , يونيو 23 2026

في غزة.. الماء والغذاء يتحوّلان إلى معركةٍ يوميّةٍ للبقاء

الأول نيوز – لم يعد الحصول على الماء والغذاء في قطاع غزة مجرّد حاجةٍ أساسيّة، بل أصبح رحلةً يوميّةً مليئةً بالمشقة والمعاناة؛ نتيجة الحرب التي يشنها الاحتلال الصهيوني وما خلفته من دمارٍ واسعٍ طال البنية التحتية وشبكات المياه ومرافق الخدمات الأساسية، ويعيش السكان واقعًا إنسانيًّا قاسيًّا تتداخل فيه أزمات النزوح مع النقص الحاد في المياه والغذاء، ما جعل تأمين أبسط مقومات الحياة تحديًّا يوميًّا يواجه آلاف العائلات.

وفي مختلف مناطق القطاع، يقف المواطنون لساعاتٍ طويلةٍ أمام نقاط توزيع المياه، حاملين أوعيةً بلاستيكيّةً (جالونات) بحثًا عن كمياتٍ محدودةٍ تكفي احتياجات أسرهم ليومٍ واحد فقط، بعد تضرّر الآبار وشبكات التوزيع جراء القصف ونقص الوقود اللازم لتشغيلها، وفي مراكز الإيواء تتكرر مشاهد الانتظار أمام أماكن توزيع الطعام، حيث أصبحت الوجبات القليلة المصدر الرئيسي للغذاء بالنسبة لآلاف الأسر النازحة التي فقدت مصادر رزقها وقدرتها على توفير احتياجاتها الأساسية.

وتسببت القيود التي فرضها الاحتلال على دخول المساعدات والمواد الأساسية، إلى جانب تدمير المرافق الحيوية، في تفاقم أزمتي المياه والغذاء، الأمر الذي انعكس بشكلٍ مباشر على الأوضاع الصحية والمعيشية للسكان، ودفعهم إلى مواجهة ظروفٍ إنسانيّةٍ تزداد صعوبةً يومًا بعد يوم.

العطش والجوع.. معاناة يومية في غزة

يقول المواطن أبو أحمد النخالة وهو أحد النازحين في قطاع غزة، إن أزمة المياه والغذاء أصبحت العبء الأكبر الذي يواجه الأسر بشكلٍ يومي، موضحًا أن العائلات باتت تقضي معظم وقتها في البحث عن الاحتياجات الأساسية.

ويضيف أبو أحمد: “لم يعد يومنا يبدأ كما كان في السابق، أصبحنا نستيقظ منذ الصباح الباكر ونحن نفكر من أين سنحصل على المياه وكيف سنوفر الطعام لأطفالنا، نقف لساعاتٍ طويلةٍ للحصول على كمية قليلة من المياه، وأحيانًا لا تكون الكمية كافيةً للشرب والطهي، فنضطر إلى تقليل استخدامها قدر الإمكان.”

ويتابع: “الأزمة لا تتعلق بالمياه فقط، فالغذاء أصبح أيضًا من أكبر المخاوف التي تواجهنا، في السابق كانت الأسرة تستطيع توفير احتياجاتها بشكلٍ طبيعي، أما اليوم فأصبح الحصول على وجبةٍ كاملةٍ يحتاج إلى جهدٍ كبيرٍ وانتظارٍ للمساعدات.”

ويشير أبو أحمد إلى أن العائلات أصبحت مضطرةً إلى ترتيب أولوياتها، قائلًا: “نحسب كل شيء، كمية المياه التي نستخدمها، وكمية الطعام التي تتوفر لدينا، أحيانًا نفضّل أن يأكل الأطفال قبل الكبار، ونحاول تقليل استهلاك المياه حتى تكفي الأسرة لأطول فترة ممكنة.”

ويؤكد أن الأطفال هم الفئة الأكثر تأثرًا بهذه الظروف، موضحًا أن نقص المياه والغذاء ينعكس بشكلٍ مباشرٍ على صحتهم وحياتهم اليومية، مضيفًا أن أكثر ما يؤلمنا هو رؤية الأطفال وهم يحتاجون إلى الطعام أو الماء ولا نستطيع تلبية كل احتياجاتهم، الطفل يحتاج إلى غذاءٍ جيّدٍ ومياهٍ نظيفة، لكن الظروف الحالية جعلت أبسط الحقوق أمرًا صعبًا.”

من جانبها، توضح أم محمد العطا وهي أم لستة أطفال، أن الأسر النازحة تعيش تحت ضغطٍ مستمرٍّ بسبب صعوبة توفير المياه والغذاء في آن واحد، خاصةً في فصل الصيف وارتفاع درجات الحرارة داخل الخيام التي تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة.

وتقول: “نحن نعيش يومًا بيوم، نفكر كيف سنوفر المياه للشرب والطهي، وكيف سنؤمن الطعام للأطفال. لم تعد الأولوية للطعام المتنوع، بل أصبح الهدف هو توفير أي وجبة تسد الجوع.”

وتضيف: “الأطفال يحتاجون إلى التغذية الجيدة والمياه النظيفة، لكن قلة الإمكانات جعلتنا نضطر إلى تقليل كميات الطعام وتقسيم ما يتوفر لدينا حتى يكفي جميع أفراد الأسرة. ومع الحر الشديد داخل الخيام تزداد حاجة الأطفال إلى المياه، بينما يصعب علينا توفيرها بشكل كافٍ.”

وتشير أم محمد إلى أن نقص المياه يزيد من صعوبة الظروف الصحية، خاصة في أماكن النزوح، موضحةً أن قلة المياه تؤثر على النظافة الشخصية وإعداد الطعام، فيما يزيد ارتفاع درجات الحرارة خلال فصل الصيف من مخاوف انتشار الأمراض والإصابة بالجفاف بين الأطفال وكبار السن.

وتختتم حديثها بالقول: “نحن لا نطلب المستحيل، نريد فقط أن تتوفر لنا أساسيات الحياة. الماء والطعام حق لكل إنسان، ونأمل أن تصل معاناتنا إلى كل من يستطيع تقديم المساعدة.”

وتعكس شهادات النازحين حجم الأزمة الإنسانية المتشابكة في قطاع غزة، حيث أصبح نقص المياه والغذاء تحدّيًا يوميًّا يهدد صحة السكان، خاصة الأطفال والفئات الأكثر ضعفًا، ويؤكد الأهالي أن الحل لا يكمن فقط في المساعدات المؤقتة، بل في توفير استجابةٍ مستدامةٍ تضمن وصول الاحتياجات الأساسية للجميع.

تداعيات صحية خطيرة

ولا تتوقف آثار أزمة المياه والغذاء في قطاع غزة عند حدود الجوع والعطش، بل تمتد إلى الجانب الصحي، في ظل ارتفاع مخاطر انتشار الأمراض المرتبطة بنقص المياه النظيفة وسوء التغذية، وتؤكد المؤشرات الإنسانية حجم الأزمة الغذائية؛ إذ ما زال ما لا يقل عن 1.6 مليون شخص، أي نحو 77% من السكان، يواجهون مستوياتٍ مرتفعةً من انعدام الأمن الغذائي الحاد، ما يزيد من احتمالات تفاقم حالات سوء التغذية، خصوصًا بين الأطفال والفئات الأكثر ضعفًا

ويقول الطبيب أحمد النجار، إن المرافق الصحية في قطاع غزة تستقبل يوميًّا أعدادًا متزايدةً من المرضى الذين يعانون من مضاعفاتٍ مرتبطةٍ بالجفاف وسوء التغذية، في ظل النقص الحاد في المياه الصالحة للشرب وشح المواد الغذائية الأساسية، ويؤكد أن الأطفال وكبار السن والمرضى المزمنين هم الفئات الأكثر عرضةً للمخاطر الصحية الناتجة عن هذه الظروف الصعبة.

ويوضح النجار أن نقص الغذاء ينعكس بشكل مباشر على صحة الأطفال؛ إذ يؤدي إلى ضعف المناعة وتأخر النمو وزيادة قابلية الإصابة بالأمراض المختلفة، بينما يتسبب الاعتماد على مصادر مياه غير آمنة أو ملوثة في انتشار الأمراض المعوية والجلدية وحالات التسمم، الأمر الذي يزيد من الأعباء الملقاة على عاتق الطواقم الطبية والمراكز الصحية التي تعمل بإمكانات محدودة.

ويشير إلى أن استمرار أزمة المياه والغذاء لفتراتٍ طويلةٍ قد يخلّف آثارًا صحيّةً خطيرةً ومستدامة، خاصةً لدى الأطفال الذين يحتاجون إلى تغذيةٍ متوازنةٍ ورعايةٍ صحيّةٍ مستمرةٍ خلال مراحل نموهم. كما يحذر من أن تدهور الأوضاع المعيشية قد يؤدي إلى ارتفاع معدلات سوء التغذية والأمراض المرتبطة بنقص العناصر الغذائية الأساسية، ما يهدد جيلًا كاملًا بتداعياتٍ صحية قد تمتد لسنواتٍ طويلة حتى بعد انتهاء الأزمة.

جهود إغاثية تواجه نقص الإمكانات

رغم صعوبة الظروف، تواصل المؤسسات الإنسانية والإغاثية جهودها لتوفير المياه والغذاء للسكان المتضررين، من خلال توزيع الوجبات، وتشغيل نقاط المياه، وتقديم الدعم الصحي.

يؤكد مسؤول إحدى المؤسسات الإغاثية العاملة في قطاع غزة، أحمد شعبان، أن التعامل مع أزمة المياه والغذاء الناجمة عن الحرب الصهيونية المستمرة وما خلّفته من دمارٍ واسعٍ في البنية التحتية، لا يمكن أن يقتصر على تقديم المساعدات الطارئة فقط، مشددًا على ضرورة وضع خطّةٍ شاملةٍ وطويلة الأمد لإعادة تأهيل المرافق الأساسية وضمان استمرارية الخدمات الحيوية للسكان.

ويوضح شعبان، أن حجم الدمار الذي ألحقه الاحتلال بشبكات المياه والكهرباء والصرف الصحي، إلى جانب القيود المفروضة على دخول الإمدادات والمواد الأساسية، أدى إلى تعقيد الوضع الإنساني بشكلٍ غير مسبوق، مشيرًا إلى أن توفير المساعدات اليومية يمثّل حلًّا مؤقتًا لا يعالج جذور الأزمة.

ويقول: “نحن بحاجةٍ إلى تدخل عاجل يضمن وصول المياه والغذاء إلى السكان، لكن في الوقت ذاته يجب العمل على إعادة تشغيل المرافق الأساسية وإصلاح الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية جراء الحرب؛ لأنّ استمرار الاعتماد على المساعدات وحدها لا يمكن أن يكون حلًّا دائمًا.”

ويضيف أن الأولوية في المرحلة الحالية تتمثل في ضمان دخول المساعدات الإنسانية بشكلٍ منتظم وآمن، بما يشمل المواد الغذائية والمياه والمستلزمات الطبية، موضحًا أن آلاف الأسر تعتمد بشكلٍ كاملٍ على هذه المساعدات لتأمين احتياجاتها اليومية في ظل الظروف التي فرضتها الحرب والنزوح.

ويشير إلى أن إصلاح شبكات المياه ومحطات التحلية التي تعرضت لأضرار كبيرة بسبب الحرب يمثل تحديًا أساسيًّا، مؤكدًا أن إعادة تشغيل هذه المرافق ستسهم في تخفيف جزءٍ كبيرٍ من معاناة السكان، خاصةً في ظل النقص الحاد في المياه الصالحة للشرب.

ويتابع شعبان: “توفير الوقود اللازم لتشغيل مرافق المياه والصحة أمر بالغ الأهمية، فتعطل هذه الخدمات نتيجة الحرب ونقص الموارد يضاعف من حجم الأزمة ويزيد المخاطر الصحية، خصوصًا على الأطفال وكبار السن والمرضى.”

ويلفت إلى ضرورة زيادة الدعم الغذائي المقدم للأسر النازحة، مع التركيز على الأطفال والفئات الأكثر ضعفًا، محذرًا من أن استمرار نقص الغذاء الناتج عن الحرب وتقييد تدفق الإمدادات الإنسانية قد يؤدي إلى تفاقم حالات سوء التغذية وظهور آثار صحية طويلة الأمد.

كما يدعو إلى تعزيز البرامج الصحية لمواجهة الأمراض المرتبطة بنقص المياه وسوء التغذية، مؤكدًا أن الوقاية والعلاج المبكر أصبحا من الأولويات في ظل الظروف الإنسانية الصعبة التي يعيشها سكان القطاع.

ويختم المسؤول حديثه بالتأكيد على أن إعادة إعمار البنية التحتية التي دمرتها الحرب يجب أن تكون جزءًا رئيسيًّا من أي خطّةٍ مستقبليّةٍ لمعالجة الأزمة، قائلًا: “الحل الحقيقي يبدأ بإعادة بناء مقومات الحياة، وتوفير بيئة تضمن للسكان الحصول على المياه والغذاء والخدمات الأساسية بشكلٍ مستدام.”

الحصار المستمر يفاقم الأزمة الانسانية

في ظل الحصار المستمر وتداعيات الحرب، تتفاقم معاناة سكان قطاع غزة يومًا بعد يوم، وسط نقص حاد في المياه والغذاء والخدمات الأساسية، وبين الاحتياجات المتزايدة والإمكانات المحدودة، تبقى الحاجة ملحّةً إلى تحرّكٍ يضمن وصول المساعدات بشكلٍ مستدام، ويحفظ حق السكان في العيش بكرامةٍ وأمان. (بوابة الهدف – كريمة شهاب)

عن الأول نيوز

شاهد أيضاً

أجواء صيفية معتدلة في أغلب المناطق حتى الجمعة

الأول نيوز – تكون الأجواء الثلاثاء، صيفية معتدلة الحرارة في أغلب المناطق، وحارة نسبيًا إلى …