السبت , أغسطس 29 2026

“العمل والتعلّم عن بُعد” معركة يخوضها الآلاف يومياً تحت حصار غزة

الأول نيوز – “جهاز حاسوب موصول بمصدر كهرباء وإشارة إنترنت”، هذه الجملة قد تكون أمنية وحتى انتصاراً بعد معاناة يومية يخوضها طلاب المدارس والجامعات في غزة وحتى العاملين سواء في وظائف عن بُعد أو تحت مسمّى التعاقد الحر “فري لانسر”. انقطعت أرزاق كثيرين، وتعطلت دراسة طلاب، وأُغلقت أمام آخرين أبواب العمل عن بُعد، بعدما أصبح الوصول إلى خدمة الإنترنت وتأمين ساعات من الكهرباء معركة بحد ذاتها.

في ظل حرب الإبادة على قطاع غزة، التي طالت مختلف مناحي الحياة، دُمّر أكثر من 90% من البنى التحتية لقطاعي الكهرباء والاتصالات والإنترنت، لتتحول أبسط مقوّمات العمل والدراسة إلى تحدٍّ يومي، ليصبح انقطاع هذه الخدمات حاجزًا يفصل آلاف الطلبة والعاملين عن دراستهم وأعمالهم، ويجعل الحياة الطبيعية حلمًا مؤجلًا.

تشقّ طريقها في الصخر

بصبر ينفذ كما أدوات الحياة، تقف ولاء عزيز على باب الخيمة التي نزحت إليها لعل قريبها يأتي بجهازه الحاسوب وتبدأ متابعة دراستها في تخصص “الوسائط المُتعددة”، لكنّ انقطاع الكهرباء يمنعها، فتجلس متأملة في الوقت الذي يمرّ دون جدوى بانتظار استعارة حاسوب والذهاب إلى مقهى يمدّها بالإنترنت والكهرباء.

WhatsApp Image 2026-08-28 at 10.03.12 AM.jpeg

الطالبة ولاء عزيز أثناء دراستها في الخيمة

نالت ولاء معدّل 94.1% في الثانوية العامة عام 2025، رغم مرور شهرين فقط على اختفاء والدها في شمال قطاع غزة واعتباره في عداد المفقودين، وهذه المأساة تكفي ليحلّ الألم محلّ الأمل، لكنّ شغفها في الابتكار والتصميم أوصلها إلى دراسة تخصص الوسائط المتعددة لتحقّق حُلم والدتها بأن تتسلّح بالعلم وتحصّل وحيدتها شهادة جامعية، وها هي اليوم، تخوض معاناة يومية لتتابع واجباتها ومحاضرتها.

تقول عزيز  “يعتمد تخصصي بشكل كبير على برامج الكمبيوتر، لكن منذ ثلاث سنوات وبفعل تبعات الحرب ارتفعت أسعار الأجهزة في قطاع غزة ارتفاعاً خياليا، لذا، طلبت المساعدة من أقاربي لاستعارة جهازهم وأنا أقاوم الظروف لاستئناف دراستي فأقصد أحد مقاهي المدينة التي توفّر للطالب والموظّف خدمتي الكهرباء والإنترنت لمدة 5 ساعات يومياً ولكن بكلفة تصل إلى 200$ شهريا”.

رغم الصعوبات اللوجستية والأوضاع النفسية، أبدعت ولاء في تخصصها ونالت درجة الامتياز في الفصل الدراسي الأول، لكنّ فصل الشتاء زاد الأمر تعقيدا، لأنّ الكهرباء التي تعتمد على الطاقة الشمسية كمصدر أساسي ووحيد للتغذية، تصبح شبه غائبة مع غياب الشمس معظم أيام الشتاء، وانقطاع الكهرباء يعني عدم شحن بطارية الجهاز، مما يجبرها على الذهاب إلى عيادة طبية في مدينة دير البلح لمتابعة دراستها وتسليم الواجبات.

أرزاق على المحك

تعمل نهال نعيم في مجال العمل عن بُعد منذ عام 2019. بعد أزمة جائحة “كورونا” اتجهت لتعلّم التسويق الإلكتروني والكتابة لمحركات البحث، ثم عملت كمسوّق إلكتروني مع وكالات سعودية حتى صارت مدربة معتمدة في حاضنات قطاع غزة.

وفي حوارها قالت نعيم: “كنت أشق مساري المهني بتميز إلى أن بدأت الحرب على غزة وتوقف كل شيء، وانقطعت عن العمل لمدة عام ونصف، نتيجة مشقة النزوح والموت الذي لحق بالعائلة واختطف إخوتي”، وتُضيف: “ساعدني شغفي للعودة إلى العمل في مجال التسويق الإلكتروني وتطوير الأعمال في أكبر وكالات السياحة والسفر في السعودية، وتدرجت في المناصب الإدارية والترقيات الوظيفية حتى أصبحت نائب المدير التنفيذي”.

نهال نعيم أثناء عملها كمدربة

نهال نعيم أثناء عملها كمدربة

وأردفت نعيم: “التحدي الأول للاستمرار في العمل هو الصعوبات النفسية لأننا نعيش في ظروف غير طبيعية، والعالم الخارجي يتعامل معنا كأي موظف يعيش في ظروف مستقرة ويتوقع منك ذات الالتزام، لتعيش في صراع ما بين ظروف الجغرافيا المأزومة التي تعيش فيها، وما بين المتطلبات المهنية والتقنية المفروضة عليك، في عالم يتوقع منك المثالية والالتزام والإبداع وسط ظروف غير طبيعية”.

تمشي نهال نعيم مسافة 2 كيلومتر من منزلها الواقع في منطقة الكرامة شمال غرب غزة للوصول إلى أقرب طريق مواصلات يمكّنها من الذهاب إلى مكان تتوفّر فيه خدمتي الكهرباء والإنترنت لمدة 8 ساعات فقط، غير أنّ التكلفة الباهظة تجعلها تخسر نصف العائد المادي للحصول على الإمكانيات اللوجستية اللازمة، ورغم ذلك فإنّ أقسى ما تعانيه حالياً هو المُفاضلة بين عملها وسوء الحال لأنّ هذه الساعات القليلة من التغطية وعدم توفر الإنترنت على مدار الساعة يجعلان القيام بجميع المهام مستحيلا.

طريق قطعته ظروف الحرب

أبدعت أماني زيارة في مجال كتابة المحتوى والترجمة عبر منصات العمل عن بُعد لمدة 7 سنوات، حتى أنّها عملت بشكل منتظم مع شركات بالخارج وحازت خبرة جيدةأهّلتها لتصبح مُدربة معتمدة في بعض المؤسسات بغزة، لكن جميع الأعمال توقفت مع بدء الحرب على غزة في 7 أكتوبر 2023، وأُغلق باب رزقها.

تتحدّث أماني عن حالها بحسرة وتقول: “خسرت جهاز الحاسوب الخاص بي خلال رحلة النزوح الشاقة إلى جنوب القطاع. وبعد العيش في خيمة كان توفير الإنترنت والكهرباء أشبه بالمستحيل لذا انقطعت عن العمل لفترة طويلة، وعندما حاولت العودة والتواصل مع العملاء الذين اعتادوا العمل معي كان الرفض هو الجواب”.

وتوضح زيارة: “يتجنب الزبائن العمل مع أصحاب المهارات من غزة لخوفهم من ظروف التواصل والالتزام بالوقت لتسليم المهمات، بالإضافة إلى صعوبة إرسال الراتب أو المكافأة المالية، بالمقابل، نحن نخسر عملنا وأرزاقنا أيضاً رُغم الكفاءة العالية التي نتمتّع بها”.

كانت خدمة الإنترنت نافذة غزة على العالم الخارجي خلال حصار يمتد منذ أكثر من 20 عاما، صنع منه الغزّيون مصدر رزق لهم، وأبدع الطلاب بواستطه في توسيع آفاقهم وتعليمهم، لكن الاحتلال لم يهنأ له بال إلا وأغلق حتى هذه النافذة الصغيرة عبر حربه الوحشية علينا وعلى كل مقومات صمودنا. والآن، تبقى آلاف الأحلام عالقة بين ساعات انتظار الكهرباء، والبحث عن نقطة إنترنت مستقرة، وقطع مسافات طويلة للوصول إلى مكان قادر على توفيرهما. (بوابة الهدف – مرح عطالله)

عن الأول نيوز

شاهد أيضاً

السعودية تحبط تهريب 1.9 مليون حبة “إمفيتامين” من الأردن في إرسالية “عدس”

الأول نيوز –  أحبطت السعودية محاولة تهريب مليون و950 ألفاً و581 حبة من مادة «الإمفيتامين» …