الثلاثاء , أغسطس 25 2026

النقل المدرسي المجاني: من معالجة بُعد المدرسة إلى إعادة بناء خريطة التعليم

الاول نيوز : د. فايز السعودي – وزير التربية والتعليم الأسبق

أرحّب بمبادرة النقل المدرسي المجاني، لما لها من دور في ضمان وصول كل طفل أردني إلى مدرسة آمنة، خصوصًا في المناطق النائية والأطراف.
لكن ينبغي ألا يُنظر إلى النقل بوصفه خدمة لوجستية فقط، بل باعتباره أداة لإعادة تنظيم الخريطة المدرسية، وتحسين توزيع المعلمين، وترشيد الإنفاق، وتحقيق العدالة التعليمية.

من الحافلة إلى إصلاح التعليم
عندما كنت وزيرًا عام 2012، طُرحت خطة لمعالجة مشكلة المدارس الصغيرة، التي كان بعضها يضم أعدادًا محدودة من الطلبة، في حين تعاني مدارس أخرى نقصًا في المعلمين والتخصصات. واستهدفت الخطة نحو 580 مدرسة، عبر نقل الطلبة إلى مدارس أكبر وأكثر تجهيزًا، مع إعادة توزيع المعلمين وفق الحاجة.
كان النقل جزءًا من مشروع متكامل لتحسين بيئة التعلم، وتوفير التخصصات، وتحقيق الاستقرار للهيئات التدريسية، وترشيد الموارد.
وهذا هو المنظور الذي نحتاج إليه اليوم، بصورة أكثر تطورًا.

المدرسة الجيدة ليست مجرد غرفة صفية:
يجب أن يكون الطالب محور القرار. فالمدرسة المستقبِلة ينبغي أن توفر بيئة تعليمية متكاملة، تشمل المختبرات والملاعب ومرافق الفنون واللغات والأنشطة والتكنولوجيا، بما يساعد على اكتشاف قدرات الطلبة وميولهم وتنميتها.
فالطالب ليس علامة في امتحان فقط، بل يمتلك قدرات وذكاءات متنوعة. وقد يكون جمع الطلبة في مدارس مجهزة أكثر عدالة من إبقائهم في مدارس صغيرة تفتقر إلى المعلم المتخصص أو المرافق الأساسية.

النقل والعدالة التعليمية:
العدالة لا تعني تقديم الخدمة ذاتها للجميع، بل توفير ما يحتاجه كل طالب. لذلك ينبغي إعطاء الأولوية للطلبة في المناطق النائية، ولمن يشكل بُعد المدرسة أو نقص المرافق والتخصصات عائقًا أمام تعليمهم.
وبذلك يصبح النقل وسيلة لتحقيق تكافؤ الفرص، لا مجرد خدمة عامة موحدة.

النقل وإدارة الموارد:
ينبغي أن يترافق تجميع الطلبة مع إعادة توزيع المعلمين على المدارس التي تعاني نقصًا. فوجود فائض في مدرسة ونقص في أخرى يمثل هدرًا للموارد وخللًا في العدالة التعليمية.
ويمكن للنقل، ضمن خريطة مدرسية شاملة، أن يحسن توزيع المعلمين، ويوفر التخصصات، ويقلل الحلول المؤقتة.

الحوكمة وقياس النجاح:
يجب أن تستند القرارات إلى بيانات دقيقة عن أعداد الطلبة، والمسافات، وحالة المباني، والمرافق، والتخصصات، والمعلمين، والتحصيل، والغياب، والتسرب، وكلفة التشغيل والنقل.
ولا يقاس النجاح بعدد الحافلات أو الطلبة المنقولين، بل بانخفاض التسرب، وتحسن الحضور والتحصيل، وتوافر المرافق، وتحسن توزيع المعلمين، وزيادة أثر الإنفاق العام.

فرصة لإعادة رسم الخريطة التعليمية:
يوفر المشروع فرصة لإعادة دراسة الخريطة التعليمية في المملكة. فقد يكون دمج بعض المدارس مناسبًا، بينما يتطلب موقع بعضها الآخر الإبقاء عليها. لذلك يجب أن يستند القرار إلى خصوصية كل منطقة، لا إلى قاعدة واحدة.
المطلوب خريطة مدرسية مرنة تتكيف مع التوزيع السكاني، وأعداد الطلبة، واحتياجات المناطق، ومتطلبات التعليم الحديث.

رسالة إلى الحكومة والوزارة:
تستحق مبادرة النقل المدرسي المجاني الدعم، لكن قيمتها ستكون أكبر إذا أصبحت بداية لمشروع وطني لإعادة تنظيم التعليم في المناطق النائية والأطراف.

ينبغي أن نسأل: أين تكون المدرسة؟ وما مواصفاتها؟ وكم طالبًا تضم؟ وما المرافق والتخصصات التي توفرها؟ وكيف نضمن حصول أطفال الأطراف على تعليم نوعي مماثل لما يحصل عليه أطفال المدن؟

و في الختام:
النقل خطوة مهمة، لكنه ليس الغاية. الغاية هي بناء مدرسة أفضل، وبيئة تعليمية أغنى، وتوزيع عادل للمعلمين والموارد، وفرص متكافئة للطلبة.
وعندما نربط النقل بإعادة تنظيم الخريطة المدرسية وتحسين المرافق وتوزيع الموارد، ننتقل من معالجة بُعد المدرسة إلى إعادة بناء منظومة التعليم نفسها.
فالنقل المدرسي المجاني ينبغي أن يكون بداية لإعادة بناء خريطة التعليم، لا مجرد وسيلة للوصول إلى المدرسة.

عن Alaa Alnaji

شاهد أيضاً

الوطن البديل: الخدعة الساقطة وسماسرة الوهم

الأول نيوز – صلاح ابو هنّود – مخرج وكاتب منذ سبعينيات القرن الماضي، وحين وُلِدت …