الثلاثاء , سبتمبر 8 2026

عام دراسي جديد في خيام غزة.. حين تصبح القرطاسية عبئًا يفوق قدرة العائلات

الأول نيوز – مع اقتراب موعد العودة إلى المدارس، تبدو استعدادات العام الدراسي الجديد مختلفة في الخيام بقطاع غزة. فخلف مشهد الأطفال الذين ينتظرون استئناف دراستهم، تقف عائلات أمام واقع أكثر قسوة، بعدما أصبحت تأمينات المدرسة الأساسية مهمة شاقة لا تملك كثير من الأسر القدرة على تحملها.

دفاتر وأقلام وحقائب وقرطاسية يفترض أن تكون جزءًا طبيعيًّا من التحضير للعام الدراسي، تحولت إلى عبء إضافي في ظل الغلاء وتراجع القدرة الشرائية. وبين متطلبات الحياة اليومية التي لا تحتمل التأجيل، تجد الأسر نفسها مضطرة إلى المفاضلة بين احتياجاتها الأساسية وبين مستلزمات أبنائها الدراسية.

في الخيام، لا تبدأ أزمة التعليم من داخل الصفوف، بل من سؤال يسبقها: هل تملك الأسرة ثمن دفتر وقلم لطفل يريد أن يتعلم؟

مستلزمات مدرسية خارج القدرة

على أعتاب الموسم الدراسي، تستعيد رهف الشوا سنوات كانت فيها التحضيرات للمدرسة جزءًا طبيعيًّا من حياة أسرتها، قبل أن تقلب الحرب أولوياتها رأسًا على عقب، فالنازحة التي تقيم مع أطفالها الأربعة وزوجها في مخيّم اليرموك شمال قطاع غزة، لم تعد تنظر إلى بداية العام الدراسي كما كانت تفعل في السابق، بعدما باتت أبسط احتياجات الحياة اليومية تشكل تحديًا مستمرًّا.

تروي رهف أن الاستعداد للمدرسة لم يعد يحتل المكانة نفسها التي كان يحتلها قبل حرب الإبادة الصهيونية، موضحة أن الأسرة تنشغل اليوم بما هو أكثر إلحاحًا، وفي مقدّمته تأمين الماء والغذاء، وبين هذه الاحتياجات الأساسية، تتراكم متطلبات الأطفال المدرسية من ملابس وحقائب ودفاتر وأقلام وقرطاسية، من دون أن تجد الأسرة قدرة مالية كافية لتأمينها.

وتصف رهف،  وضع أسرتها بأنه سيئ جدًّا، مشيرةً إلى أن الحرب لم تترك آثارها على مكان السكن والحياة اليومية فحسب، بل طالت مصدر دخل الأسرة أيضًا، فمنذ اندلاع الحرب في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، فقد زوجها عمله، وأصبح من دون مصدر دخل ثابت، ما ضيّق أكثر هامش القدرة على توفير احتياجات الأطفال.

وتشرح أن اقتراب العام الدراسي، في 16 من سبتمبر/أيلول، لا يعني بالنسبة إليها الاستعداد المعتاد بشراء المستلزمات المدرسية، بل يفتح أمامها قائمة جديدة من الاحتياجات التي لا تعرف كيف ستؤمّنها. فالدفتر والقلم والحقيبة، رغم بساطتها، أصبحت جميعها كلفة إضافية على أسرة تكافح لتأمين احتياجاتها الأساسية.

وتتساءل رهف بمرارة عن مصير أطفالها مع بداية العام الدراسي، قائلة: “كيف يمكن لأطفالي أن يعودوا إلى مقاعد الدراسة، ونحن لا نملك ثمن أبسط مستلزماتها؟”

ولا تخفي رهف رغبتها في أن يتمكن أطفالها من مواصلة تعليمهم، لكنها تشير إلى أن الواقع الذي تعيشه الأسرة يجعل حتى هذه الرغبة البسيطة مرتبطة بالقدرة على توفير المستلزمات الأساسية، وبينما يقترب موعد العودة إلى الدراسة، تبقى رهف أمام سؤال يومي لا تملك له إجابة: كيف يمكن تجهيز أربعة أطفال للمدرسة في وقت تعجز فيه الأسرة عن تأمين أبسط احتياجاتها؟

بالنسبة إلى رهف، لم تعد بداية العام الدراسي مرتبطة بالحقيبة الجديدة والدفاتر والأقلام، بل أصبحت مرآة لواقع معيشي فرض على الأسر النازحة أن تعيد ترتيب أولوياتها، وأن تضع البقاء وتأمين الاحتياجات الأساسية قبل كل شيء.

القلم والدفتر.. أسعار تتضاعف

لا تتوقف أزمة القرطاسية عند عدم توفرها، بل تمتد إلى أسعارها التي باتت تشكل عائقًا أمام العائلات الراغبة في إرسال أبنائها إلى المدارس.

في حي الرمال، يدير أحمد مهدي مكتبة صغيرة، ويراقب يوميًّا تراجع قدرة الأسر على شراء احتياجات أطفالها مع اقتراب بدء العام الدراسي.

ويقول أحمد،  إن أزمات التعليم في غزة لم تعد مرتبطة بالمدارس والمدرسين وحدهم، بل وصلت إلى القرطاسية نفسها، في ظل القفزات الكبيرة في أسعار المستلزمات.

ويوضح أن قلم الرصاص الذي كان يُباع قبل الحرب بنحو نصف شيكل، ارتفع سعره إلى شيكلين، فيما ارتفع سعر دفتر من 40 ورقة من شيكل واحد إلى 3 شواكل، ودفتر من 60 ورقة إلى 7 شواكل.

ولا تقتصر الزيادة على هذه الأصناف؛ إذ تشمل معظم المستلزمات المدرسية، في وقت تواجه فيه الأسر صعوبة كبيرة في تأمين احتياجاتها الأساسية من الماء والغذاء.

وبحسب أحمد، فإن ضعف الإقبال على القرطاسية، رغم اقتراب العام الدراسي، يكشف حجم الأزمة؛ فالعودة إلى التعليم بالنسبة لكثير من العائلات لم تعد مجرد قرار يتعلق بالدراسة، إنما أصبحت مرتبطة بقدرتها أوّلًا على دفع كلفة المستلزمات الأساسية.

الخيمة بدل المدرسة

في ظل تدمير المدارس وتحول عدد كبير منها إلى مراكز إيواء، تحاول مبادرات تعليمية محلية توفير بدائل للأطفال النازحين، من بينها “روضة ومدرسة الأمل النموذجية” التي أُقيمت داخل الخيام شمال قطاع غزة.

ويقول المعلم محمد أبو حصيرة، إن المبادرة التعليمية جاءت للحفاظ على حق الأطفال في التعليم رغم الظروف القاسية، موضحًا أن الخيمة أصبحت صفًّا دراسيًّا، وقطعة خشب متهالكة سبورة، فيما يواصل الأطفال تعلمهم بما يتوفر من إمكانات محدودة.

وتشير تقارير وزارة التربية والتعليم في غزة إلى أن 80% من المدارس أصبحت خارج الخدمة، فيما تحولت 55% من المدارس القائمة إلى خيام ونايلون، ويواجه نحو 110 آلاف طالب وطالبة صعوبة في العودة إلى مقاعد الدراسة.

ولا تقتصر الصعوبات على غياب المدارس؛ إذ يعاني الأطفال من نقص الدفاتر والأقلام والقرطاسية، ما يدفع بعضهم إلى مشاركة الأدوات أو استخدام كرتون طرود المساعدات للكتابة.

ويشير أبو حصيرة إلى أن توفير مكان للتدريس وحده لا يكفي، فالطفل يحتاج إلى أدوات أساسية تساعده على متابعة دروسه، مؤكدًا أن ارتفاع أسعار القرطاسية وتراجع القدرة الشرائية يزيدان من معاناة الأسر. ورغم هذه التحديات، يواصل الأطفال الحضور والتمسك بالتعلم، في تأكيد على أن “التعليم في غزة ليس خيارًا بل ضرورة”.

هاتف بدل الكتاب… لكن ليس للجميع

مع غياب الكتب المدرسية وصعوبة الوصول إلى التعليم النظامي، تحاول أحلام الاستعانة بهاتفها المحمول باعتباره وسيلةً بديلة خلال الحصص، ليصبح الهاتف بمثابة “مدرسة متنقلة”.

غير أن هذا الخيار نفسه لا يصل إلى جميع الأطفال، فارتفاع أسعار الهواتف الذكية، إلى جانب عدم انتظام خدمة الإنترنت في كثير من مناطق القطاع ومخيمات النزوح ومراكز الإيواء، يجعل الاعتماد على التعليم الإلكتروني محدودًا.

وهكذا يجد الطالب مهند أبو بكر، وغيره من الطلبة، أنفسهم أمام سلسلة متشابكة من العوائق: مدارس مدمرة أو مغلقة، ومستلزمات مدرسية لا تستطيع الأسر شراءها، وكتب ووسائل تعليمية بديلة غير متاحة للجميع، إلى جانب ظروف معيشية قاسية تعتمد فيها أغلب الأسر على المساعدات الإغاثية، بعدما فقدت مصادر دخلها ومدخراتها.

تعليمٌ مؤجل ومستقبلٌ معلّق

في الخيام، لا تبدو العودة إلى التعليم طريقًا مستقيمًا أمام الأطفال؛ فكل خطوة فيها تصطدم بظروف فرضتها الحرب والنزوح والفقر، بينما تحاول العائلات والمعلمون إبقاء نافذة التعليم مفتوحة بما هو متاح.

ومع استمرار هذه الظروف، يتسع أثر الأزمة من غياب البيئة التعليمية المناسبة إلى تهديد انتظام آلاف الأطفال في الدراسة، بما يحمله ذلك من تبعات على تحصيلهم ومستقبلهم. وبين مبادرات فردية ومدارس بديلة ومحاولات يومية للتدريس، يبقى التعليم قائمًا بجهود محدودة أمام احتياجات تفوق الإمكانات المتاحة.

ومع بدء عام دراسي جديد، يظل التحدي الأكبر هو ألا يتحول الحرمان المؤقت إلى انقطاع دائم، وألا يصبح الأطفال الذين حُرموا من مدارسهم بفعل الحرب جيلًا محرومًا من فرصته في التعلم وبناء مستقبله. (بوابة الهدف – كريمة شهاب)

عن الأول نيوز

شاهد أيضاً

محافظة: التوجيهي أصبح 3 سنوات والامتحان للقبول الجامعي

الأول نيوز – أكد وزير التربية والتعليم وتنمية الموارد البشرية عزمي محافظة أن امتحان “التوجيهي” …