الثلاثاء , سبتمبر 29 2026

شتات العرب. وَتَنِينُ الجِوَارِ

الأول نيوز – صلاح ابو هنّود – مخرج وكاتب

 

كيفَ اسْتَثْمَرَتْ طَهْرَانُ الشَّتَاتَ العَرَبِيَّ لِفَرْضِ هَيْمَنَتِهَا؟
تَخْتَزِلُ العِبَارَةُ الشَّعْبِيَّةُ «يَا لَعَّيب يَا خَرِيب» جَوْهَرَ المَقَارَبَةِ الإِقْلِيمِيَّةِ الَّتِي أَدَارَتْ بِهَا إِيرَانُ عِلاقَاتِهَا مَعَ مُحِيطِهَا العَرَبِيِّ عَلَى مَدى عُقُودٍ؛ فَهِيَ مُعَادَلَةٌ تَقُومُ عَلَى فَرْضِ القَوَاعِدِ بَحَذافِيرِهَا وَفْقَ مَا يَخْدُمُ نُفُوذَهَا، أَوْ تَعْطِيلِ اللُّعْبَةِ بِأَكْمَلِهَا وَطَرْقِ أَبْوَابِ التَّصْعِيدِ إِذَا مَا شَعَرَتْ بِالتَّهْمِيشِ أَوْ التَّهْدِيدِ.
فَبَعْدَ أَنْ تَدَاعَتْ صُرُوحُ الوَحْدَةِ العَرَبِيَّةِ وَتَفَكَّكَتْ عُرَى العَمَلِ القَوْمِيِّ المُشْتَرَكِ، وَجَدَتْ طَهْرَانُ فِي هَذَا الفَرَاغِ الاسْتِرَاتِيجِيِّ الكَبِيرِ فُرْصَتَهَا التَّارِيخِيَّةَ لِلْتَمَدُّدِ؛ إِذْ تَرَاجَعَتْ العَصَبِيَّةُ القَوْمِيَّةُ الَّتِي كَانَتْ تُشَكِّلُ سَدّاً حَائِلاً أَمَامَ التَّطَلُّعَاتِ الإِقْلِيمِيَّةِ لِحَسَابِ الانْكِفَاءِ الدَّاخِلِيِّ وَالانْقِسَامَاتِ البَيْنِيَّةِ. وَفِي ظِلِّ هَذَا الشَّتَاتِ، لَمْ تَكُنْ طَهْرَانُ بِحَاجَةٍ إِلَى شَنِّ جَحَافِلَ عَسْكَرِيَّةٍ تَقْلِيدِيَّةٍ لِفَرْضِ حُضُورِهَا، بَلْ أَدَارَتْ المَشْهَدَ بِذَكَاءٍ بَرَاغْمَاتِيٍّ خَبِيثٍ عَبْرَ زَرْعِ شَبَكَاتِ الوُكَلاَءِ وَرِعَايَةِ التَّنْظِيمَاتِ المَوَازِيَةِ لِلْدَّوْلَةِ الوَطَنِيَّةِ، المُمْتَدَّةِ مِنْ العِرَاقِ إِلَى سُورِيَا وَلُبْنَانَ وَاليَمَنِ.
لَقَدْ أَتْقَنَ أُولَئِكِ الوُكَلاءُ لَعِبَ الدَّوْرِ المَنُوطِ بِهِمْ، فَصَارُوا أَدَاةً لِتَفْكِيكِ المُجْتَمَعَاتِ مِنْ الدَّاخِلِ وَإِضْعَافِ سُلْطَةِ القَرَارِ الوَطَنِيِّ، لِيَتَحَوَّلَ القَرَارُ السِّيَادِيُّ فِي أَكْثَرِ مِنْ عَاصِمَةٍ عَرَبِيَّةٍ إِلَى رَهِينَةٍ لِمَصَالِحِ طَهْرَانَ. وَفِي سَعْيِهَا لِتَثْبِيتِ هَذَا الوَاقِعِ، لَمْ تَكْتَفِ طَهْرَانُ بِالأَذْرُعِ العَسْكَرِيَّةِ، بَلْ حَوَّلَتْ المَضَائِقَ المَائِيَّةَ الحَيَوِيَّةَ كَمَضِيقِ هُرْمُزَ وَبَابِش المَنَدَبِ إِلَى أَوْرَاقِ ضَغْطٍ وَابْتِزَازٍ دَوْلِيٍّ، مُهَدِّدَةً شِرْيَانَ الطَّاقَةِ العَالَمِيَّ وَحَرَكَةَ المَلاَحَةِ لِخَنِقِ جِيرَانِهَا إِقْلِيمِيّاً وَإِرْبَاكِ العَالَمِ صَنَاعِيّاً كُلَّمَا اشْتَدَّ عَلَيْهَا الحِصَارُ الاِقْتِصَادِيُّ.
وَيَأْتِي المَلَفُّ النَّوَوِيُّ الإِيرَانِيُّ لِيُتَوِّجَ هَذَا المَسَارَ؛ إِذْ تَتَّخِذُهُ طَهْرَانُ دِرْعاً لِرَدْعِ خُصُومِهَا وَوَرَقَةَ مَسَاوَمَةٍ ثَقِيلَةَ الوَزْنِ فِي صِرَاعِهَا المَفْتُوحِ مَعَ أَمْرِيكَا وَإِسْرَائِيلَ. غَيْرَ أَنَّ هَذَا الصِّرَاعَ المُعْلَنَ بَيْنَ القُوَى الإِقْلِيمِيَّةِ وَالدَّوْلِيَّةِ يَتِمُّ فِي كَثِيرٍ مِنَ الأَحْيَانِ تَصْدِيرُ كُلَفِهِ وَفَاتُورَتِهِ المَيْدَانِيَّةِ إِلَى الأَرَاَضِي العَرَبِيَّةِ؛ فَبَيْنَمَا تُوَجَّهُ التَّهْدِيدَاتُ الدِّبْلُومَاسِيَّةُ وَالمُسَاوَمَاتُ الخَلْفِيَّةُ بَيْنَ وَاشِنْطُن وَطَهْرَانَ، وَتَتَبَادَلُ إِيرَانُ مَعَ إِسْرَائِيلَ الرَّسَائِلَ العَسْكَرِيَّةَ المَحْسُوبَةَ، تَكُونُ العَوَاصِمُ العَرَبِيَّةُ وَالبُنَى التَّحْتِيَّةُ لِلْجِوَارِ هِيَ السَّاحَةَ المَفْتُوحَةَ لِلْتَنَافُسِ وَمَسْرَحاً لِتَصْفِيَةِ الحِسَابَاتِ.
‎تَكْشِفُ قِرَاءَةُ التَّحَالُفَاتِ التَّارِيخِيَّةِ عَنْ حَجْمِ التَّنَاقُضِ بَيْنَ الشِّعَارَاتِ المُعْلَنَةِ وَالمُمَارَسَاتِ المَيْدَانِيَّةِ؛ فَقَدْ شَهِدَتْ عُقُودُ الصِّرَاعِ مَحَطَّاتٍ مَفْصِلِيَّةً الِتَقَتْ فِيهَا المَصَالِحُ الإِيرَانِيَّةُ مَعَ أَقْطَابٍ كَانَ يُفْتَرَضُ أَنَّهُمْ فِي خَانَةِ الخُصُومِ. فَفِي أَوْجِ الحَرْبِ العِرَاقِيَّةِ الإِيرَانِيَّةِ، جَرَى تَعَاوُنٌ تَسْلِيحِيٌّ وَاسْتِخْبَارَاتِيٌّ غَيْرُ مُعْلَنٍ مَعَ إِسْرَائِيلَ لِضَرْبِ القُدُرَاتِ العَسْكَرِيَّةِ العِرَاقِيَّةِ — وَهُوَ مَا انْكَشَفَ لاَحِقاً فِي فَضِيحَةِ «إِيرَان – كُونْتِرَا» — ثُمَّ الِتَقَتْ المَصَالِحُ الإِيرَانِيَّةُ مَعَ أَمْرِيكَا عِامَ 2003 لِإِسْقَاطِ النِّظَامِ العِرَاقِيِّ وَتَقْدِيمِ التَّسْهِيلَاتِ المَيْدَانِيَّةِ الَّتِي مَهَّدَتْ الطَّرِيقَ لِفَرْضِ الهَيْمَنَةِ التَّامَّةِ عَلَى العِرَاقِ وَتَفْكِيكِ مُؤَسَّسَاتِهِ.
‎إِنَّ اسْتِحْضَارَ هَذِهِ السَّوَابِقِ يُوَضِّحُ أَنَّ المُبَرِّرَاتِ الأَيْدِيُولُوجِيَّةَ لَيْسَتْ سِوَى غِطَاءٍ لِاسْتِرَاتِيجِيَّةٍ قَائِمَةٍ عَلَى المَصَالِحِ البُحْتَةِ وَالتَّمَدُّدِ الجِيُوسِيَاسِيِّ. وَأَمَامَ هَذَا العُتُوِّ، تَسْتَحْضِرُ الذَّاكِرَةُ التَّارِيخِيَّةُ العَرَبِيَّةُ مَحَطَّاتٍ فَارِقَةً كَـ «ذِي قَارٍ» وَ«القَادِسِيَّةِ»، لاَ بِوَصْفِهِمَا مُجَرَّدَ حَدَثَيْنِ عَسْكَرِيَّيْنِ غَابِرَيْنِ، بَلْ بِاعْتِبَارِهِمَا رَمْزَيْنِ لِكَسْرِ حَالَةِ الاسْتِعْلاَءِ وَالهَيْمَنَةِ؛ فَقَدْ كَانَتْ «ذُو قَارٍ» الدَّرْسَ الأَوَّلَ فِي التَّضَامُنِ وَالأَنَفَةِ حِينَ تَدَاعَتْ القَبَائِلُ لِتَصُونَ كَرَامَتَهَا وَتَرْفُضَ الإِمْلاءَاتِ، لِتَجِيئَ «القَادِسِيَّةُ» بَعْدَهَا وَتَصُوغَ التَّحَوُّلَ الاسْتِرَاتِيجِيَّ الأَكْبَرَ الَّذِي أَزَاحَ كِبْرِيَاءَ المَجُوسِيَّةِ وَفَتَحَ آَفَاقَ الحَضَارَةِ وَالعَدْلِ.
‎إِنَّ التَّلْوِيحَ بِالحَزْمِ وَالقَسْوَةِ السِّيَاسِيَّةِ وَالفِكْرِيَّةِ تُجَاهَ الأَطْمَاعِ المُتَجَدِّدَةِ يَفْرِضُ نَفْسَهُ حِينَ تُسْتَنَسَخُ الأَدْوَارُ ذَاتُهَا؛ فَالغَطْرَسَةُ الَّتِي تَتَغَذَّى عَلَى تَشَتُّتِ الجِيرَانِ لاَ يُمْكِنُ رَدُّهَا بِالرُّضُوعِ أَوْ التَّرْضِيَاتِ الجُزْئِيَّةِ، بَلْ بِمَوْقِفٍ حَازِمٍ يَسْتَعِيدُ التَّوَازُنَ، وَيُزِيلُ أَوْهَامَ الهَيْمَنَةِ، وَيُذَكِّرُ بِأَنَّ هَذِهِ المِنْطَقَةَ — مَهْمَا أَصَابَهَا مِنْ ضَعْفٍ — تَمْلِكُ فِي عُمْقِهَا التَّارِيخِيِّ قُدْرَةً فِطْرِيَّةً عَلَى الاسْتِجَابَةِ وَاسْتِعَادَةِ القَرَارِ حِينَ يَكْتَمِلُ الوَعْيُ وَتَجْتَمِعُ الكَلِمَةُ.

عن Alaa Alnaji

شاهد أيضاً

عوض و”مطعم الأشرار”

​​​​​الاول نيوز – د. علي أحمد الرحامنة … وما كان عوض يظن أن أقدار الحياة …