الأحد , أكتوبر 18 2026

حكومة طالبان بين الحكومات المؤقتة

الدكتور أيمن سلامة –

 

الأول نيوز – تتشكل الحكومات المؤقتة في الدول بمناسبة حدوث تغيرات على النظام السياسي فيها، وعادة تكون ناتجة عن حدوث اضطرابات داخل البلد، سواء بسبب سوء إدارة أم تمادي الحكومة الأصلية في الضغط على الشعب في داخل الدولة، فتلجأ القوى السياسية المعارضة إلى الثورة أو التمرد علي نظام الحكم، وتتفق فيما بينها على تشكيل حكومة مؤقتة، تتولى عملية إدارة الشؤون الداخلية في الدولة وضبط النظام فيها، والعمل على استقرار الأوضاع لغرض تهيئة الأجواء لتشكيل حكومة دائمة

وقد يحدث التغيير دون أن تكون هنالك اضطرابات أو فوضى داخلية، وإنما قد يحصل انقلاب على الحكم مع استقرار الأوضاع ، فيتم تشكيل حكومة مؤقتة انتقالية لحين تثبيت الوضع واستقراره، ثم يعلن عن الحكومة الدائمة، وفي كلتا الحالتين يحصل التغيير من الداخل، ولكن قد يحصل التغيير من الخارج، وهو أن تتدخل دولة في عملية تغيير النظام السياسي بأي شكل كان تدخلها، وبالاتفاق مع عناصر معارضة من أبناء البلد الأصلي ، مثل المحاولتين الفاشلين للولايات المتحدة الامريكية في إيران وكوبا في خمسينات و ستينات القرن الماضي علي التوالي .

وقد يتم التغيير أيضاً عن طريق إخضاع الدولة للاحتلال الأجنبي، فتقوم قوات الاحتلال بتغيير الحكومة وتنصيب حكومة مؤقتة لإدارة البلاد. ويتم تنصيب هذه الحكومة بأشكال مختلفة سواء تعيين أم انتخاب، أو قد لا تشكل حكومة أصلاً، فتقوم دولة الاحتلال بإدارة الدولة الخاضعة للاحتلال بنفسها مباشرة عن طريق حاكم تقوم بتنصيبه لإدارة الدولة، أو قد تبقي على الإدارة الأصلية القائمة في الدولة، ولكنها تقوم بالإشراف عليها ومراقبتها وإخضاعها لتعليماتها

شُكلت في العديد من الدول التي خضعت للاحتلال في الحربين العالميتين الأولى والثانية حكومات موالية لقوات الاحتلال، فشكل الاحتلال البريطاني في العراق حكومة موالية له أثناء احتلاله للعراق، كذلك شكل الاحتلال الألماني أثناء الحرب العالمية الثانية حكومات مؤقتة في بعض دول أوربا التي احتلها .

تُعد الحكومة الفرنسية التي شكلها الاحتلال الألماني في فرنسا أثناء احتلاله لها أثناء الحرب العالمية الثانية المثال الصارخ للحكومات المؤقتة التي ينصبها المحتل في الأقاليم التي تخضع لانحتلاله ، ففي عام (1940) قام الجيش النازي الألماني بهجوم خاطف على فرنسا، تمكن فيه من هزيمة الجيش الفرنسي الذي استسلم مع الحكومة الفرنسية بسرعة أمام الهجوم النازي، فقد قام الاحتلال الألماني بتشكيل حكومة موالية له في جنوب فرنسا، تزعمها المارشال (فيليب بيتان)، الذي كان قد جلب المجد لبلاده في الحرب العالمية الأولى، ولكنه جلب الذل والعار لنفسه في الحرب العالمية الثانية ، وأبدلت حكومة (فيشي) شعار الجمهورية الفرنسية الذي هو نفسه شعار الثورة الفرنسية ( حرية، مساواة، أخوة ) بشعار جديد ( العمل، الأسرة، الوطن )، وأصدرت ميثاق العمل، وأطلقت ما سميت بالثورة الوطنية كايدولوجيا رسمية لنظام فيشي .

يُعد الاعتراف بالحكومات المؤقتة القواقعية بموجب القانون الدولي أمر حيوي لعدة أسباب، خاصة بالنسبة لهذه الحكومات التي لا تتبع التداول السلمي الديمقراطي للوصول للحكم ، ومن بين الأمور المهمة في هذا السياق : معرفة من هي السلطة الحاكمة للدولة ، ومن يتحمل مسؤولية التنفيذ الفعال للالتزامات القانونية المحلية والدولية التي تتراوح من متابعة العلاقات الدبلوماسية ، إلى حماية حقوق الإنسان ، وما إلى ذلك .

تقليدياً ، الاختبار المستخدم في القانون الدولي لاتخاذ قرار بشأن الاعتراف بحكومة جديدة هو اختبار “الفعالية”، ووفقًاً لهذا المبدأ ، فإن الاعتراف بالحكومة يعني تحديد ما إذا كانت تسيطر بشكل فعال على الدولة التي تدعي أنها تحكمها ، أي ما إذا كانت الحكومة لديها سيطرة فعلية على أراضي الدولة أو جزء منها ، وأغلبية السكان ، والمؤسسات الوطنية ، والنظام المصرفي والنقدي ، وما إلى ذلك مع إمكانية معقولة للبقاء، و هذا الافتراض المتأصل يعني أن السيطرة الفعالة تعني قبول شعب البلد للنظام الجديد ، و بموجب هذه العقيدة ، لا يهم كيف احتلت الحكومة الجديدة المنصب (سواء من خلال الحرب الأهلية ، أو الثورة ، أو الانقلاب العسكري) نظرًا لعدم وجود أي شك في أن طالبان تسيطر الآن بشكل فعال على أفغانستان ، ونظريا ووفق هذا الاختبار الذاتي ، فسيتم الاعتراف بحكومة طالبان المؤقتة التي أعلنت أمس كحكومة أفغانستان للقانون الدولي وبالتالي العلاقات الدولية .

لكن وفقا لمبدأ ” الشرعية الديمقراطية ” يمكن لبعض الدول أن تزعم أن نظام طالبان ، على الرغم من ممارسته سيطرة فعالة على كامل الإقليم الأفغاني ، لكنه أي نظام طالبان يفتقر إلى الشرعية الديمقراطية؛ وبالتالي ، لن يتم الاعتراف به كممثل شرعي لأفغانستان ، وتدليلا علي ذلك ، فقد اعترفت العديد من الدول بحكومة “عبدربه منصور هادي” في المنفى منذ عام 2015 على أساس أن الانفصاليين المتمردين استحوذوا على السلطة في اليمن بوسائل غير قانونية ، أيضا لم تعترف العديد من الدول بحكومة نيكولاس مادورو في فنزويلا بسبب الافتقار المزعوم للشرعية الديمقراطية ، ومع ذلك و بالرغم من القيمة و الجاذبية الغريزية التي يحوزها مبدأ الشرعية الديمقراطية ، و الذي يعتنقه أنصار الديمقراطية الليبرالية ، لكن الممارسات الدولية الحديثة تنحاز في أحوال عديدة لل ” الإختبار الذاتي ” المتمثل في الحكم علي شرعية الحكومات الواقعية بالنظر إلي مدي سيطرتها علي شعب وإقليم الدولة .

عن الأول نيوز

شاهد أيضاً

فلسطين .. ما بعد حرب ايران

الاول نيوز – جميل النمري –   على غير توقع لم تصرف الحرب على ايران …