الأحد , أكتوبر 11 2026

من مضيق هرمز إلى كلفة الإنتاج والغذاء في الأردن والمنطقة

الاول نيوز – رانيا غازي أبو غوش –

ليست عودة الناقلات إلى مضيق هرمز دليلاً على عودة السوق إلى طبيعته. فقد تمكنت المنطقة من استعادة جانب مهم من تدفقات الخام، لكن سعر النفط بقي مرتفعاً لأن الخطر انتقل من كمية النفط المتاحة إلى كلفة إيصالها. الناقلة التي تتحرك تحت مخاطر أمنية أعلى لا تحمل برميلاً أغلى فحسب؛ بل تحمل قسط تأمين أكبر، وأجرة شحن أعلى، ووقتاً أطول، واحتمالاً أكبر للتأخير أو التحويل. ولهذا فإن عودة الإمداد لا تعني بالضرورة عودة السعر الذي تستطيع الصناعة والمستهلك تحمله.

هذه هي المفارقة الاقتصادية التي ينبغي أن تحكم قراءة المرحلة. الأسواق لا تسعر النفط عند نقطة الإنتاج، بل تسعره عند وصوله إلى المصفاة ثم إلى المستهلك. وحين تتعطل حلقات النقل والتأمين والتكرير، يصبح سعر البرميل مجرد بداية الفاتورة لا نهايتها. وفي الأزمات الممتدة، قد تتحسن أرقام الشحن الظاهرية بينما تبقى أسعار الوقود والنقل مرتفعة؛ لأن الطاقة اللوجستية البديلة محدودة، ولأن الناقلات والتأمين والتمويل التجاري تتحول جميعها إلى عناصر نادرة ومكلفة.

ولا يقف الأثر عند الطاقة. فمضيق هرمز ممر رئيسي أيضاً لتجارة مدخلات زراعية وأسمدة تدخل في كلفة الغذاء العالمي. ارتفاع أسعار الأسمدة، ولا سيما الفوسفاتية، يتسرب إلى أسعار الحبوب والزيوت والأعلاف على مراحل: أولاً في قرار المزارع بشأن كمية الاستخدام، ثم في كلفة المحصول، ثم في سلاسل التصنيع والنقل والتجزئة. لذلك قد يهدأ خبر النفط في الشاشات بينما تستمر ضغوط الأسعار في سلة المستهلك بعده بأشهر. تلك هي طبيعة التضخم القادم من سلاسل الإمداد؛ بطيء الظهور لكنه واسع الانتشار.

بالنسبة إلى الأردن، تضع هذه المعادلة الاقتصاد أمام وجهين في الوقت نفسه. الوجه الأول هو ارتفاع فاتورة الطاقة المستوردة، وكلفة الشحن والتأمين على المواد الخام والسلع الأساسية، وما يرافق ذلك من ضغط على كلفة النقل والإنتاج. والوجه الثاني هو تحسن الطلب والأسعار لبعض الصادرات الأردنية، خصوصاً الأسمدة والدواء والغذاء، إضافة إلى فرصة نشاط لوجستي أكبر عبر العقبة إذا أُحسنَت إدارة التدفقات الإقليمية. غير أن الفرصة ليست تلقائية؛ إذ قد تتبدد مكاسب زيادة قيمة الصادرات إذا استهلكتها كلفة الطاقة والتمويل وتقلب مواعيد التسليم.

هنا يبدأ دور إدارة المخاطر. لا تكمن الأولوية في تثبيت جميع الأسعار بصورة مفتوحة؛ لأن ذلك يرحّل الكلفة إلى المالية العامة ويضعف إشارات السوق اللازمة لترشيد الاستهلاك. الأولوية هي بناء نظام إنذار مبكر يربط أسعار النفط والشحن والتأمين والأسمدة بتكاليف القطاعات الأكثر تعرضاً: النقل، الصناعة، الزراعة، الغذاء والدواء. هذا النظام يجب أن يحدد نقطة تحرك واضحة، لا أن يكتفي برصد الأخبار: متى تُزاد المخزونات من المدخلات الحرجة؟ متى تُفعّل عقود توريد بديلة؟ ومتى تُقدم حماية مؤقتة وموجهة للأسر أو للقطاعات التي يهدد تعطلها الإنتاج أو الأمن الغذائي؟

والإجراء الثاني هو تحويل مرونة التوريد إلى قدرة مالية. الشركات لا تحتاج إلى مخزون استراتيجي من كل شيء، لكنها تحتاج إلى مخزون مدروس من المدخلات التي يصعب استبدالها، وإلى تمويل رأس مال عامل يسمح لها بشرائها قبل أن تتضاعف الكلفة أو تتأخر الشحنات. ويمكن للبنوك وبرامج التمويل التنموي أن تصمم أدوات قصيرة الأجل مرتبطة بالمخزون والتجارة، تمنح المصنع والمستورد المرن قدرة على الاستمرار من دون أن تتحول الأزمة إلى أزمة سيولة أو تعثر في التسليم.

أما الإجراء الثالث فيتصل بالتصدير. على منتجي الأسمدة والدواء والغذاء أن يقرأوا ارتفاع الطلب الإقليمي بوصفه اختباراً للموثوقية لا مجرد فرصة سعرية. العقد التصديري الأفضل في هذه المرحلة هو الذي يحمي التدفقات النقدية، ويوزع مخاطر الشحن، ويؤمّن شروط الدفع، ويحافظ على سمعة التسليم. وهنا تستطيع الدولة والقطاع الخاص توحيد معلوماتهما حول الموانئ والتأمين والأسواق البديلة، وتحويل العقبة من بوابة عبور إلى منصة خدمات لوجستية أكثر قيمة.

ما يحدث في هرمز يثبت أن العالم لم يعد يواجه صدمات طاقة منفصلة، بل صدمات مترابطة في الطاقة والغذاء والنقل والتمويل. ومن مصلحة الأردن أن تُقرأ هذه التطورات بهذه اللغة: حماية القدرة الشرائية للمواطن، ومنع كلفة الطاقة من خنق الإنتاج، واستثمار الطلب الخارجي من دون المراهنة على أزمة طويلة. النجاح هنا لا يقاس بمرور الناقلات فقط، بل بقدرة الاقتصاد على إبقاء السلع متاحة، والصناعة عاملة، والأسعار قابلة للإدارة، في وقت تتغير فيه كلفة العبور أسرع من حركة البراميل نفسها.

* مستشارة التطوير المؤسسي وإدارة المخاطر

عن Alaa Alnaji

شاهد أيضاً

تقاطع الخوارزمية مع المقدس: حرب الذكاء الاصطناعي الأولى في غزة

الأول نيوز – صلاح ابو هنّود مخرج وكاتب لم تكن حرب غزة مجرد حلقة جديدة …