الخوري أنطوان الدويهيّ –
الأول نيوز – مضيتُ مع رفاقي يومًا إلى السينما وأنا لمَّا أبلغ العاشرة من عمري. هي المرَّة الأولى التي أشاهد فيها فيلمًا على الشاشة الكبيرة. بعد انتهاء العرض، توجَّهتُ إلى المرحاض فوجدتُ تلميذين من تلامذة المدرسة لم يبلغا الرابعة عشرة من العمر يدخّنان في زاوية من زوايا المرحاض. ما إن رأياني حتَّى خبَّآ السيجارة خلف ظهرهما، ثمَّ أتى أحدهما صوبي، وأنا أعرفه جيِّدًا فأخوه رفيقي الحميم، وقال لي: “إيَّاك أن تخبر أحدًا بما رأيت”.
أمّا أنا فلم أكترث لكلامه، بل أخبرتُ رفيقي بما رأيتُ، فقال لي: “لا يكتفي أخي بأنَّه يدخِّن، بل يحاول أن يغريني بكلِّ الطرق لأجاريه في التدخين، لكنَّني أعرف أنَّ التدخين مضرٌّ في الصحَّة ولذلك لا أقبل أبدًا”.
- أتعرف لماذا يُصرُّ عليك أن تجاريه في التدخين؟كي لا تُخبر أهلك، فينال عقابًا.
- لم أخبر أهلي بالأمر لأنَّني أحبُّ أخي كثيرًا، وأبي قاسٍ فيمنع عنه أمورًا كثيرة. ثمَّ إنَّني لستُ فسَّادًا. وثالثًا… هدَّدته إذا لم يعاملني بطريقة حسنة سوف أخبر والدي.
- ولكنَّك تُضرُّه كثيرًا إذا لم تحاول أن تمنعه من متابعة التدخين. فالتدخين مضرٌّ بالصحَّة، بل هو يسبِّب أمراضًا خطيرة.
- كلَّ مرَّة أهدِّده بأنَّني سأخبر والدي إذا لم يتوقَّف عن التدخين. أمّا هو، فيعدني ولكنَّه لا يلبث أن يعود إلى التدخين مرَّة أخرى عندما يلتقي برفيقه الفاسد.
- ما رأيك لو حاولنا أن نضع الخلاف بينهما، فنبعد أخاك عن رفيق السوء كما نبعده عن التدخين؟
لم يكتفِ أخو رفيقي بمعاشرة شابٍّ رديء السمعة، بل هو واقع في حبِّ فتاة سمعتها رديئة هي الأخرى. وهي تدخِّن كثيرًا. فاتَّفقنا أن نبعدهما معًا عن أخيه وفكَّرنا بخطَّة باشرنا بتنفيذها فورًا.
كتبنا رسالة إلى رفيق السوء ممهورة بإمضاء الفتاة تلك تعلن فيها عن حبِّها الكبير له ولكنَّها خائفة من إفشاء ذلك لمَن يحبُّها بالأمر؛ ودسسناها في كتاب رفيق السوء. بعدما اطَّلع عليها راح يتودَّد إلى الفتاة حتَّى وقعت في شباكه. وما إن علم أخو رفيقي بالأمر حتَّى دبَّ الخلاف بينه وبين الفتاة وقطع العلاقة معهما معًا. وعندها انقطع انقطاعًا تامًّا عن التدخين.
لم تنتهِ القصَّة هنا. لم تمرَّ سنوات أربع حتَّى نُقل رفيق السوء ذلك من المدرسة إلى المستشفى في حالة خطرة. تبيَّن فيما بعد أنَّه مصاب بالسرطان في حلقه جرَّاء التدخين المفرط…
التدخين آفة مضرَّة وخطرة بل قاتلة في أحيان كثيرة. والامتناع عنها يُعتبر، في عصرنا اليوم، فضيلة اجتماعيَّة حميدة. لا يستطيع الأطفال، ما دون الثمانية عشرة من العمر، أن يقولوا: “نريد أن نجرِّبها لا أكثر”، لأنَّهم لا يلبثون أن يدمنوا عليها.
كم هو واجب على الأهل أن يكونوا حذرين على أولادهم لئلاَّ ينجرُّوا وراء أهوائهم وشهواتهم، ووراء أولاد السوء فينقادوا بسهولة إلى أمور غير سليمة، مضرَّة بهم وبالمجتمع.