وطن الأوطان يا بلدي

الدكتور مالك صوان – الأول نيوز –

 

وصلني على إحدى مجموعاتِ الواتساب مقطع ڤيديو لأحدِ شيوخِ سورية الأَوفياء، حَفَظة الودِّ والمعروف، شاهدت الفيديو واستمعتُ واستمتعتُ به، وجعلني في قمةِ وَجْدي؛ لما جاء في خطاب هذا الشيخ من كلامٍ أثلج صدري، واستنهض مشاعري، وشحذ همتي لأكتب هذه السطور، وأجعل من كلامه وتأثيره عليّ مدخلًا لموضوعي، فلقد كان خطابه وطنيًّا تسامحيًّا وَحْدَويًّا من أعماقِ القلب، وخصَّ هذا الشيخُ الجليل وطني الأردن؛ قيادةً وشعبًا، بدُرَرِ كلماته وجميل مشاعره، ووصفه بما يليق به ويستحق، بنبرةٍ صادقةٍ واضحة، تملؤها أبهى وأسمى مشاعر المحبة والامتنان والوفاء، أمام حشدٍ جماهيريٍ من إخوتنا السوريين في سورية العروبة والإباء، قائلًا:

“ولكن عند الأردن أقف، أقف لأننا في الأردن لم نكن لاجئين، في الأردن كنّا ضيوف، ومن هنا ومن مسقط رأسي، أوجّه رسالة شكرٍ وامتنان للشعب الأردني فردًا فردًا، شيخًا وشبابًا وشيابًا، كما ولا يفوتني أن أشكر الهاشميين، وجلالة الملك بالأَخص، الملك الإنسان، أول من فتح حدوده وقال: أهلًا وسهلًا”

هذا النموذج الوفيّ، من أبناء أمتنا العربية العظيمة، يَشْدُد ويقوّي مِن عزائمنا جميعًا، ويعزِّز في داخلنا روح البذلِ والعطاء، ويوطِّد ويمتِّن أواصرَ العلاقاتِ الأخوية بين أبناء شعوبِ أمتنا العربيةِ الواحدة، وأنني أوجِّهُ له أجمل وأجلَّ عبارات الشكر والمحبة والامتنان والتقدير، على الرغم من أنني لم أستطع الاستدلال على اسمه.

شيخنا الفاضل ،،،
أنت وكما ظَهَرْت في خطابك المتزن الحكيم، الداعي إلى وحدة الصف، لست بحاجةٍ لأن أحيطك علمًا، لأنك بالتأكيد وكل الشرفاء مِن أبناءِ أمتنا، يعلمون بأن وقوف القيادة الهاشمية الأردنية والشعب الأردني والحكومة الأردنية إلى جانب إخوتهم السوريين؛ الذين كان قدَرَهم ما كان، وأُخرجوا وخرجوا من وطنهم الأم وديارهم حفاظًا على حياتهم وحياة أبنائهم، ليجدوا بين كل هذا الظلام، وهذا البؤس وهذا الدمار، وطنًا حانيًا حاميًا ثانيًا، يحميهم ويرعاهم، ويداوي جراحهم، ويغيثُ الكليمَ منهم ويخفف من معاناتهم، إلى أن يشاء الله ويُحْدِثُ بعد ذلك أمرًا.

لم يكن هذا الموقف الأردني منّةً لا سمح الله، وإنما واجبًا وشعورًا عروبيًا أَخويَّا مقدسًا، آمن به ونشأ وترعرع عليه إخْوَتُك الأردنيون على مرّ التاريخ، تجاه أشقائهم العرب في حقبٍ زمنيةٍ مختلفة، هذا الموقف العروبي الثابت، الذي سجله التاريخ بحروفٍ من نور، في صفحاتِ العزٍّ والكرامة، كان جَلِيًّا من قَبْل في معاناة الأهل في فلسطين وأحداث نكبة 1948 وما تلاها من تداعياتِ ومآسي نكسة 1967 على الشعوب العربية والشعب العربي الفلسطيني، لم يكن الأردن ليتركَ أشقاءَه وحدهم في مواجهة الطغيان والجبروت الصهيوني، ولم يتخلَ عنهم وقدَّم لهم ما قدمه الأنصار للمهاجرين وأكثر، قَبل أربعة عشرَ قرنًا، واستقبلهم أبهى وأعظم وأيُّما استقبال، ففتح لهم أبواب القلوب قبل الحدود والبيوت، وتكررت نخوة وشهامة وأخوَّة الأردنيين التي اعتادوا عليها في أحداث حرب الخليج 1991 كذلك، والمعاناة التي واجهها أشقاؤنا العراقيون والمغتربون العرب هناك آنذاك، فكان لهم الأردن والأردنيون الحُماة والحُناة، والعضيد العتيد، الذي لا يستكين ولا يلين.

الأردن الوطن، بقيادته وشعبه، الأردن الصغير بحجمه وموارده، الكبير والقوي بثوابته ومواقفه وفعله، بقي وسيبقى المدافعَ الأقوى والأشد والأعتى عن قضايا أمته العربية والإسلامية، ومنصفًا ومتحيِّزَا لخياراتِ شعوبها، ومنتصرًا لإنسانيّته رغم شُح موارده وضعف امكاناته المادية، ومع هذا تجد أن هناك طُغمة ضالة مضلِلة، قابضة مُتكسِّبة، حاقدة كارهة، تعتاش وتقتات على الفرقة والانقسام، وبث الفتن والنعرات ما ظهر منها وما بطن، لا تريد للأردنِ والأردنيين خيرًا ولا سلامًا، لكنهم والفضل لله أولًا، وللرشد والوعي والرضى الذي حبى الله بها قيادةَ الأردنِ وشعبه ثانيًا، فلم تنَلْ هذه الطغمة الخسيسةُ الوضيعة مُبتغاها ولن تنالها، فالأردنيون وغيرهم من الشرفاء لهم بالمرصاد أينما وُجِدوا.

هذه المواقف القومية العروبية الراسخة الثابتة؛ من نخوةٍ وشهامةٍ ووفاء، جعلت الأردن في مرمى أعين الحاسدين والمتربصين والمُغرضين، مما جعل الأردن منذ تأسيس الإمارة وحتى يومنا هذا هدفًا للمؤامراتهم ومكائدهم الدنيئة، معتقدين بأن الأردن سيكون صيدًا رخوًا سهلًا، فقابلها الأردن والأردنيون بالحكمة والحنكة وحسن التصرُّف والرد، وكان لوحدتهم الوطنية الدور الأكبر في كبح جماح مؤامراتهم وتحطيمها وصَهرها واجتثاثها، فيخرج الأردن وشعبه مِن كلٍ منها أقوى وأمكن وأكثر وحدةً وتماسكًا وثبات.

الأردن القوي المؤمن، لم يتغير ولن يتغير، وسيبقى متفوقًا على ظروفه وأقداره، وسيبقى الأردنيون أهل العزم والعزيمة، ثابتين سائرين ومحافظين على نهج الآباء والأجداد، وسيبقى بنو هاشم صمام أمان الأردنيين والأمة، كما كانوا على مرّ التاريخ، وسيبقى الأردن دولةً إنسانيةً أبدية، وستجده في كل مكان واقفًا شامخًا، يُغيث المكلوم وينثر المحبة ويزرع السلام.

دمتم ودام الوطن بقيادته وشعبه
وعشتم وعاشت الأمة العربية الواحدة.

عن Alaa

شاهد أيضاً

ترامب… سياسة “الضغط الأقصى” أم تمهيد لصفقة كبرى مع إيران؟

الدكتور أحمد ناصر الطهاروة – الأول نيوز –   من يقرأ شخصية الرئيس الأميركي دونالد …