الأول نيوز – أيمن سلامة
في مشهد يليق بالملاحم التاريخية، عاد العاهل الأردني إلى أرض الوطن، عودة الفاتحين، بعد زيارة تاريخية للولايات المتحدة الأمريكية، ألقى خلالها بظلال الهيبة الهاشمية على ردهات السياسة الدولية، وكرّس بثباته موقفًا عربيًا لا يتزعزع. لم تكن زيارة بروتوكولية عابرة، بل كانت معركة دبلوماسية في ميدان السياسة، حيث الموازين مختلة والرياح تعصف بمبادئ العدالة، لكن الملك لم يحد عن مساره، ولم تزعزعه تقلبات الساحة الدولية، فحمل في يمينه حكمة الأجداد، وفي يساره إرادة شعبه، وألقى بحججه الناصعة في وجه أعاصير السياسة.
بين الفخامة والدهشة: موقف تاريخي في البيت الأبيض
كان اللقاء في البيت الأبيض أشبه بمسرح تاريخي، حيث تصدرت المفاجآت المشهد، فالرئيس الأمريكي، في حركة غير مألوفة، باغت الملك أمام الصحافة دون ترتيب مسبق، موقفٌ كان ليُربك أقل القادة خبرة، لكن الملك، برباطة جأش تُذكّر بمواقف العظماء، تجاوز الصدمة بمزيج من الكياسة والحزم، مؤكدًا أن القائد الحقيقي هو من يحسن التصرف في أعتى اللحظات. لم يكن حوارًا عادياً، بل كان ساحة اختبار للإرادة والذكاء السياسي، خرج منها العاهل الأردني شامخًا، غير مكترث بالمجاملات الدبلوماسية المفرغة من المضمون، بل حاملًا موقفًا عربيًا ناصع البيان، لا يقبل التنازل ولا المساومة.
“لا لنقل الفلسطينيين” … موقف ملكي لا يتزحزح
في زمنٍ كادت فيه بعض الأصوات أن تتوارى خلف ستائر الحذر، علت كلمات الملك كالرعد، لتدوي في أسماع العالم: “لا لنقل الفلسطينيين من غزة”. لم تكن مجرد جملة، بل كانت إعلانًا صريحًا بأن الأرض ليست للبيع، والشعب ليس ورقة تفاوض، والحقوق ليست محل مساومة. رفضٌ تكرر غير مرة، حتى غدا موقفًا ثابتًا، ترجمته عواصم العالم احترامًا، وأيقن به الشعب الفلسطيني سندًا. لم يكن حديثه خطابًا سياسيًا باردًا، بل كان وعدًا وعهدًا، بأن الأردن لن يكون شاهد زور على تهجير قسري يطعن خاصرة الأمة، ولن يكون بوابة لعبور مخططات تُراد لفلسطين باسم “الواقع الجديد”.
احتفاء شعبي يليق بالقادة العظماء
ما إن حطّت طائرته في أرض الأردن، حتى تدفق الشعب إلى الشوارع في مشهد يضاهي صفحات التاريخ، احتفاءً بملك أثبت أن المواقف تصنع الزعماء، وأن الإرادة الحرة لا تُشترى بثمن. لم يكن الاستقبال عاديًا، بل كان تجديدًا للعهد، وتذكيرًا بأن الأردن، رغم صغر حجمه، كبير بمواقفه، شامخٌ بعزّة قيادته. امتزجت أصوات الحشود بحناجر الشعراء، فتردد في الأفق قول المتنبي:
“إذا غامرتَ في شرفٍ مرُومِ… فلا تقنعْ بما دونَ النّجومِ“
هكذا كان موقف الملك، لا يقنع بأنصاف الحلول، ولا ينحني أمام العواصف، فكان بحق سليل الهاشميين، الذين لم تثنهم الأهوال يومًا عن حمل لواء الأمة، ولم يهادنوا في حقٍ، ولم يفرّطوا في قضية.
أثرٌ يمتد عبر التاريخ
في صولات الدبلوماسية، تُقاس المعارك بوقعها، لا بعدد كلماتها. وهذه الزيارة، رغم كونها أيامًا معدودات، ستظل محفورة في ذاكرة السياسة العربية والدولية، لأنها لم تكن زيارة مجاملة، بل كانت مواجهة بين منطق القوة وقوة المنطق، حيث خرج الملك وقد أثبت للعالم أن المبادئ لا تُشترى، وأن الأردن لا يُملى عليه، وأن القضية الفلسطينية ستظل أمانة في أعناق الأحرار، مهما تقلبت الأزمنة وتغيرت الوجوه.
لقد عاد الملك، ولكنه لم يعد كما ذهب، بل عاد برصيد جديد من الثقة، بتأييد عربي شامل، وبموقف جعله، كما وصفه التاريخ، “ملكًا من الملوك الذين تُبنى على خطاهم المواقف”.