الأول نيوز – محمد قاسم عابورة
لا يكاد يمر يوم إلا وتشهد ساحة الاعلام العربي بيانات “استنكار” و”إدانة بأشد العبارات” للعدوان الصهيوني المتصاعد ، لكن هذه البيانات ، رغم بلاغتها وقوة ألفاظها، تتبدد كالدخان في الهواء بعد لحظات من تلاوتها ، فالقصف لا يتوقف ، والعدوان يتوسع ، والحلم الصهيوني القديم بـ”إسرائيل الكبرى” يطل برأسه من جديد ، ليس في فلسطين فحسب ، بل يمتد تهديده الصريح إلى الأردن ولبنان وأجزاء من سوريا ومصر والسعودية وحتى بغداد .
لم يعد هذا العدوان يخفي طبيعته التوسعية ؛ فهو يجسد استمرارًا لحلم قراصنة استعماريين غاصبين ، واليوم، يحمل نتنياهو راية القراصنة ويقود حرب إبادة متكاملة وشاملة من إبادة بشرية عبر القصف والحرق ، وإبادة عبر التجويع والحصار، وإبادة حضارية عبر تدمير البنى التحتية والمستشفيات والمدارس ، إن ما يجري في غزة ليس مجرد صراع ، بل هو محرقة العصر الحديث ، تتم في ظل دعم دولي غير مسبوق تقوده الولايات المتحدة ، وفي المقابل ، يقف العالم العربي متفرجًا ، بين عاجز عن الفعل وصامت متواطئ .
لقد كشر العدو الصهيوني عن أنيابه ، ولم يعد الخطر يهدد فلسطين وحدها ، بل يهدد كل دولة عربية ، وكل عربي ، هذه اللحظة هي اختبار حقيقي لإرادة الأمة وروحها وكرامتها ، إنها اللحظة الفاصلة بين الكينونة والزوال ، بين أن تقف الأمة ككتلة واحدة قوية ، تستخدم كل أدواتها لردع العدوان، ، أو أن تستسلم لمخطط تقسيم المقسم وتفتيت المفتت .
وهنا يبرز السؤال المحوري : لماذا تمتلك الدول العربية ترسانات عسكرية هائلة، وتنفق المليارات على التسلح ، إذا كان مصير هذه الترسانات أن تبقى حبيسة المستودعات ؟ لماذا لا تُستخدم كرادع للعدوان ؟ ولماذا لا يتم توظيف الأدوات الاستراتيجية الأخرى التي تمتلكها الأمة ؟ .
فالعالم العربي لا يعاني من ضعف في الإمكانات ، بل من عجز في الإرادة وتوظيف هذه الإمكانات ، فهو يمتلك : قوة جيواستراتيجية تتحكم بمفاصل التجارة العالمية عبر ممرات مائية حيوية مثل مضيق هرمز وباب المندب وقناة السويس ، و قوة اقتصادية تمثل نحو 55% من احتياطيات النفط العالمية ، مما يمنحها تأثيرًا مباشرًا على الاقتصاد العالمي وسياسات الدول الداعمة لإسرائيل ، ولا نستهين بالكتلة البشرية الهائلة ، والتي تشكل قوة تغيير كامنة إذا ما حُشدت ووُجهت .
لقد حان الوقت لتحويل البيانات إلى خطط استراتيجية ، آن الأوان لخروج العرب من دائرة رد الفعل إلى دائرة الفعل ، ومن منطق التبعية إلى منطق السيادة ، تبدأ بقطع العلاقات مع الكيان الصهيوني ، و تقنين صادرات النفط والغاز وتوجيهها شرقًا بعيدًا عن الغرب الداعم للكيان ، واستخدام العائدات لبناء اقتصاد مقاوم ، كما يجب استخدام ورقة الممرات المائية الحيوية كوسيلة للضغط ، وربط حرية الملاحة فيها بوقف العدوان على فلسطين والأمة العربية .
هذا يتطلب تفعيل معاهدات الدفاع المشترك ، وجعل العدوان على أي بلد عربي بمثابة عدوان على الكل ، وخلق استراتجيات عمل مشترك لبناء اسس مشروع عربي للمواجهة ، كما يتطلب العمل على بناء تحالفات إقليمية ودولية بديلة ، خاصة وأن العالم لم يعد أحادي القطب ، وتوسيع مظلة التعاون مع قوى صاعدة مثل الصين وروسيا والهند والبرازيل ، بعيدًا عن الهيمنة الغربية .
الساحة العربية اليوم تشهد مفترق طرق وجودي ، لم تعد فيه عبارات الإدانة وحدها كافية لمواجهة عاصفة التحديات التي تواجه الأمة ، إن الخروج من دائرة الشجب والإدانة ليس خياراً تكتيكياً ، بل هو ضرورة وجودية ، فالصمت أمام المحرقة تواطؤ، والتردد انتحار ، إنها ساعة الحقيقة، حيث تُوزن الأمم ليس بما تمتلك ، بل بما تقدمه في معركة الدفاع عن وجودها وإنسانيتها ، الأمة التي لا تدافع عن حقها في الوجود لا تستحق أن يكون لها مكان تحت شمس التاريخ ، لقد طال انتظار الخطوة نحو الفعل ، وآن الأوان لاتخاذها ..
موقع الأول نيوز الأخباري كن أول من يعلم