الأول نيوز – صلاح ابو هنّود
مخرج وكاتب
مخطئٌ مَن يقرأ الصراع الراهن في الشرق الأوسط بوصفه وليد اللحظة السياسية، أو نتاج تفاوضٍ على ملفٍّ نووي، أو تقاسمِ نفوذٍ في عواصم ممزقة. إن المشهد الحالي هو فصلٌ جديد من حوارٍ تاريخي وحضاري ممتد بين ضفتي الخليج

ج؛ حوارٌ كُتبت فصوله بالدموع والدم، بالسياسة والثقافة، منذ أن عبرت خيول الفتح العربي بلاد فارس، مغيرةً وجه جغرافيتها، وبنيتها الاجتماعية، ولسانها الثقافي إلى الأبد.
اليوم، تبدو الصورة مقلوبة في ظاهرها؛ فإيران تعيش ذروة صعودها الاستراتيجي، محققةً جملة من الأهداف التي تضمن لها موقع الندّ الكوني، بينما يعيش العالم العربي حالة من الانكفاء، تجعل من صمود هذا الصعود الإيراني أو انكساره رهناً بـ “طبيعة الحياة” التي يرتضيها العرب لأنفسهم.
أركان الصعود: عبقرية الميزان والالتفاف
لقد نجحت طهران، عبر العقود الأربعة الماضية، في صياغة استراتيجية “النَّفَس الطويل”، متمحورةً حول سبعة أعمدة رئيسية شكلت درعها وسيفها:
حصانة العقيدة السياسية: الإبقاء على نظام “ولاية الفقيه” كخط أحمر غير قابل للمساس، وجعل حمايته العقيدة الأمنية الأولى.
الردع الموازي: بناء قوة عسكرية تقليدية وغير متناظرة (ترسانة الصواريخ والمسيّرات) خارج إطار الملف النووي، لتكون الذراع الضاربة الفعالة على الأرض.
الجغرافيا كأداة ضغط: تحويل مضيق هرمز إلى “جوهرة إيرانية” خالصة، والسيطرة الفلكية على شريان الطاقة العالمي، وهي ورقة تفوق النفط كسلعة.
تفكيك الحصار المالي: إجبار المجتمع الدولي على استرداد الأموال المجمدة عبر صفقات معقدة وضغوط مدروسة.
معادلة الندية الدولية: فرض اعتراف دولي بإيران كقوة معادلة لقوة إسرائيل، وتغيير قواعد الاشتباك من حروب الظل والوكلاء إلى المواجهة والردع المباشر.
تحجيم الجوار الاستراتيجي: دفع دول الخليج العربي إلى إعادة حساباتها، والانتقال من مربع المواجهة إلى مسارات التهدئة والدبلوماسية اعترافاً بالأمر الواقع.
التمدد في مساحات الفراغ
إلا أن القراءة العميقة لهذا الصعود تكشف أنه لم يكن نابعاً من تفوق القوة الذاتية لطهران بقدر ما كان وليد “الفراغ الاستراتيجي العربي”. فالطبيعة السياسية لا تقبل الفراغ؛ وحين غابت المشاريع النهضوية الجامعة في الحواضر العربية الكبرى كبغداد ودمشق وبيروت وصنعاء، تمدد المشروع الإيراني الممنهج كبديل عابر للحدود.
هنا تبرز المقاربة التاريخية الصادمة: إن العرب، الذين غيروا فارس تاريخياً وعسكرياً وسياسياً واجتماعياً، هم أنفسهم من يمنحونها اليوم –بصمتهم أو تشتت أولوياتهم– صكّ الاستمرار لقرنٍ قادم. فالجانب الإيراني يتحرك برؤية مركزية واحدة، بينما يتحرك الجانب العربي ككيانات منفصلة تواجه تحدياتها بـ “ردود أفعال” موضعية لا تخلق مشروعاً مضاداً.
ميعاد اليقظة وحتمية الجغرافيا
رغم كل هذه المكاسب الإيرانية، فإن التاريخ يعلّمنا أن النفوذ الخارجي في الأرض العربية يبقى جسماً غريباً عن نسيجها الديمغرافي والاجتماعي. وتواجه طهران معضلات بنيوية في الداخل تتمثل في اختناق اقتصادي وفجوة جيلية تبتعد عن أيديولوجيا النظام، يقابلها في الخارج كلفة باهظة لإدارة نفوذها وتصاعد الرفض الشعبي المحلي له.
إن استمرار هذا المشهد لقرن أو زواله في عقدين ليس رهناً بعبقرية طهران، بل برهن “ميعاد اليقظة العربية”. فالتاريخ يشهد أن طهران تعي تماماً أنه “إذا تحركت القلوب والعقول العربية، تغيرت موازين الشرق بأكمله”.
خاتمة:
سيبقى مضيق هرمز عصب الضغط، وستبقى العواصم ساحاتِ نفوذ، طالما بقي العقل العربي في حالة ركود. وعندما يقرر العرب الخروج من دور “المفعول به” واستعادة مكانتهم كـ “فاعل” تاريخي وصياغة مشروعهم الحضاري الخاص، حينها فقط، ستتحول كل القلاع والخطط الاستراتيجية التي بنيت في غيابهم إلى جزر معزولة، ويعود الشرق إلى توازنه الطبيعي الذي تفرضه حتمية الجغرافيا ومنطق التاريخ
موقع الأول نيوز الأخباري كن أول من يعلم