الإثنين , يوليو 13 2026

التنمية الاقتصادية بين السلوك المجتمعي والإصلاح الهيكلي

الاول نيوز – الدكتور زيدون محمود المساد
طالما شكّل البحث عن أسباب التراجع التنموي والبطالة والإحباط محوراً للنقاش في الأوساط الاقتصادية والاجتماعية. وتتأرجح الآراء عادةً بين تحميل المنظومة المؤسسية كامل المسؤولية، وبين إلقاء اللوم على سلوكيات الأفراد وثقافة المجتمع. إن القراءة المتأنية للواقع الاقتصادي تكشف أن الحقيقة تكمن في التفاعل الديناميكي بين هذين المسارين، فلا يمكن لإصلاح أحدهما أن يؤتي ثماره دون الآخر.
من منظور اقتصاديات التنمية، لا يمكن عزل إحباط الشباب أو تعثر الكادحين عن كاهل البيئة المؤسسية. فعندما تغيب معايير الكفاءة وتطغى المحسوبية والواسطة، يحدث تشويه عميق في توزيع رأس المال البشري، مما يفقد الأفراد الحافز للاستثمار في تطوير مهاراتهم.
يضاف إلى ذلك أدوات السرقة المنظمة للجهد المتمثلة في التضخم غير المنضبط، واحتكار الأسواق، والسياسات النقدية التي تؤدي إلى تآكل القيمة الشرائية للمواطنين. في هذه الحالة، تصبح الظواهر السلبية مثل البطالة الهيكلية، والإدمان، والهجرة، واليأس، نتاجاً لبيئة طاردة للنجاح تعجز عن توفير خيارات حقيقية وتكافؤ للفرص، وليست مجرد خيارات فردية خاطئة.
على الجانب الآخر، يبرز السلوك المجتمعي كعامل حاسم في صناعة الفارق الاقتصادي، وهو ما يجسده بوضوح قطاع الاستهلاك اليومي. على سبيل المثال، تمثل الفاتورة السنوية الضخمة لبعض السلوكيات السلبية كالتدخين—والتي تصل في مجتمعنا إلى 717 مليون دينار سنويا تكلفة فرصة بديلة هائلة.
من منظور علم الاقتصاد السلوكي، فإن إقلاع المجتمع عن هذه العادات لا يحمي الصحة العامة ويخفض الفاتورة العلاجية للدول فحسب، بل يوفر كتلة نقدية ضخمة يمكن إعادة تدويرها وتحويلها إلى خزانة استثمارية لدعم المشاريع الناشئة للشباب، وخلق فرص عمل مستدامة، وتحويل الرماد إلى رأسمال منتج.
إن الخلاصة المنطقية لهذه الجدلية تؤكد أن إصلاح السلوك المجتمعي والإصلاح المؤسسي هما وجهان لعملة واحدة:
1. السلوك المجتمعي الواعي (مثل الادخار، التوقف عن الهدر الاستهلاكي، والمطالبة بالإنتاجية) يمثل “الوقود المالي والبشري” اللازم لدفع عجلة الاقتصاد.
2. المنظومة المؤسسية النزيهة (التي تحارب الفساد، وتضمن تكافؤ الفرص، وتقدم تسهيلات استثمارية) تمثل “المحرك الفعّال” الذي يستقبل هذا الوقود ليحوله إلى نمو حقيقي.
إذا توفر الوقود (المال المسترد من الهدر السلوكي) في محرك معطل (بيئة مؤسسية فاسدة أو معقدة)، ستتبخر الأموال دون أثر. وإذا كان المحرك جاهزاً (بيئة استثمارية ممتازة) دون وقود (مجتمع غارق في الاستهلاك والاتكالية)، فلن يتحرك الاقتصاد خطوة واحدة إلى الأمام. بناءً عليه، فإن النهوض بالأوطان واسترداد الأمل المفقود يتطلب وعي مجتمعي يغير السلوك الاستهلاكي، وإصلاح هيكلي يضمن توجيه هذا الوعي نحو البناء والتنمية.
حمى الله الأردن وطنّا عزيزا يتمتع بقوة الموارد البشرية المنتجة للمعرفة الفاعلة في بيئة مؤسسية نظيفة شفافة…فليس لنا غيره وطنا..

عن Alaa Alnaji

شاهد أيضاً

حتمية الجذور وصراع الأدعياء في فلسطين

الأول نيوز – صلاح أبو هنّود مخرج وكاتب تتحول الأرقام التاريخية في كثير من الأحيان …