الأول نيوز – صلاح ابو هنّود – مخرج وكاتب
لا تسقط الحضارات دائماً بدويّ المدفعية أو باجتياح الجيوش الغازية، بل غالباً ما تندثر في صمت حين يتسلل موت تدريجي إلى نفوس أبنائها، فيزهدون في لسانهم، ويستحون من زيّهم، ويتبرؤون من أرضهم. إن العدوان الأشد خطورة ليس الذي يغصب الأرض والموارد، بل الذي يستلب الإنسان ويخرجه من مقولته التليدة بأنه ابن بيئته الجغرافية وثقافتها، ليحوله إلى كائن هجين يستمد هوية متخيلة من وراء الشاشات والبحار.
لقد ظل الإنسان لقرون طوال يتشكل بفعل بيئته؛ فكان زيّه نسيجاً من قطن أرضه أو صوف ماشيته، يُغزل ليلائم حرّ الصيف أو برودة الشتاء، ويحمل في غرزه حكاية مجتمعه وتاريخه العريق. أما اليوم، فقد جُرفت هذه الخصوصيات لصالح نمط استهلاكي موحّد يُفرض على العالم كلياً، فبات ابن الصحراء وابن الجبل يرتدون نفس اللباس المصنوع من أردأ الأنسجة وأبعدها عن ملاءمة المناخ، لمجرد أنه يحمل طابع الغالِب. ولم يسلم العمران من هذا الاغتراب؛ إذ تُركت البيوت المصممة من طين الأرض وحجارتها التي تتنفس مع الطبيعة، واستُبدلت بها علب من زجاج وخرسانة تُنسخ في كل عاصمة، لتعيش على أجهزة التبريد الصناعية في انقطاع تام عن المحيط الجغرافي واستنزاف هائل لموارد البيئة.
ولم يقف هذا التنميط عند ظاهر الجسد والمسكن، بل امتد ليتعرق اللسان، وهو حصن الهوية الأخير. إن اللسان ليس مجرد أصوات للنطق، بل هو وعاء الفكر ونظام القيم ومستودع الذاكرة الحضارية. ومع هيمنة الشاشات وما تبثه من مادة درامية، تحولت الاستوديوهات إلى مربٍ بديل للناشئة، يلقنهم لهجات ومفردات هجينة تُقتلع من أرضها الأصيلة. لقد صنعت الدراما الوافدة شعوراً زائفاً بالاستحياء من لسان الآباء وأمثالهم الحكيمة، وقرنت الفصاحة أو اللهجة المحلية بالرجعية والضعف، بينما صوّرت الأساليب الوافدة في قالب التحضر والذكاء. ومع تراجع التداول اليومي للسان الأصيل، تنشأ أجيال تفكر بغير مفرداتها، وتستعير تعابير مشاعرها من نص مكتوب، مما يسارع في موت الموروث الشفهي وانقطاع الصلة بالذاكرة التاريخية للبلاد.
إن هذا التحول الفكري ينقل الإنسان من حالة الأصالة التي كان فيها يتغذى مما تخرجه أرضه، ويسكن ما تبنيه يداه، ويتكلم بلسان أجداده، إلى حالة من التبعية الكلية يصبح فيها مجرد مستهلك لنمط عالمي تُفرضه بيوت الموضة وشركات الإنتاج. وبذلك يتحول المجتمع من كيان حي ينبض بخصوصيته التاريخية إلى نسخة مكررة تعيش في غربة كاملة عن جغرافيتها.
إن الخلاصة التي لا مفر منها هي أن سقوط الحضارات يتبلور في النفوس والعقول قبل أن يظهر في السياسة والاقتصاد. ومتى ما أصبحت أمة تستهلك ما لا تنتج، وتلبس ما لا يعبر عن مناخها، وتتكلم بغير لسانها، فقد أعلنت انسحابها الفعلي من التاريخ. إن التعافي يبدأ بالعودة إلى الأصالة، والاعتزاز بالمُنتج المحلي، واستعادة اللسان العربي الفصيح كدرع حامي للذات من الذوبان والاندثار.
موقع الأول نيوز الأخباري كن أول من يعلم