الثلاثاء , سبتمبر 15 2026

رِحاب الصِّدْقِ والكَذِب: حينَ تُصانُ الأَمانَةُ ويُهْتَكُ الوَعْي

 

صلاح ابو هنّود – الأول نيوز –

مخرج وكاتب

 لم تكن الكلمة يوماً مجرد صوت يعبر الهواء أو رسم يخط على الورق، بل هي موقف عقدي وإنساني يحمل في طياته إما بناء الحقيقة أو هدم العمران. وفي الميزان الإلهي لا تقاس الكلمات ببلاغتها الفارغة أو بريق زحرفها، بل بمقدار اقترابها من الصدق أو وغولها في الكذب؛ فالصدق سكينة تستقر بها النفوس وتطمئن بها القلوب، بينما الكذب خيانة تشوه الوعي وتقطع حبال الثقة بين البشر.

وحين يتناول القرآن الكريم ظاهرة التزييف، فإنه لا يكتفي بتشخيصها الظاهري، بل يصوب نحو مصدرها العميق في النفس الإنسانية حين يقول عز وجل: {قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ}. والخرّاص في لسان العرب هو الذي يكذب عن تخمين وحزر، فيجزم بما لا يعلم، ويبني الحقائق المزيفة على رمال الظن والمغالطة. ولم يكن التعبير بـ “قُتِلَ” مجرد إخبار، بل هو طرد ولعنة وتسجيل للسقوط المعنوي لكل من يستهين بالعقل والوقائع، وينشر الأوهام بين الناس بلا ثبت ولا يقين.

إن شناعة الكذب تتضاعف كلما عظم خطر المكذوب عليه والمكذوب فيه. وأشد أنواع الزيف خطراً هو ذاك الذي يمس العقيدة والوجدان الجماعي للأمة، وعلى رأسه الافتراء على الله تعالى بنسبة ما لم يقل إليه، أو تحريم ما أحل وتحليل ما حرم بالأهواء والآراء المغشوشة؛ ولهذا جاء الميزان القرآني حاسماً: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا}، لأن الكذب هنا يستهدف المصدر الأعلى للهداية والتشريع.

ولا يقل عن ذلك خطورة تلك المخادعة التي تستهدف الذين آمنوا، حين يتسرب النفاق إلى الصفوف، فيرفع المكر لواء الصلاح، وتغلف المآرب الخبيثة بشعارات براقة. إن الكذب على المؤمنين يسلبهم أمنهم الروحي والاجتماعي، ويزرع الشك في مواطن اليقين، ويجعل المجتمع عرضة للارباك والشتات.

إن الصدق والكذب لا يقفان عند حدود اللسان، بل يمتد أثرهما ليعيدا تشكيل البنية النفسية للإنسان ذاته. فالصادق يعيش في شجاعة وطمأنينة لأنه متسق مع ذاته ومع الخلق ومع الحق، لا يحتاج إلى قناع ولا إلى مواربة، فينعكس ذلك النور راحة في ذهنه وسكينة في ملامحه. أما الكاذب فيعيش في سجن مظلم من التصنع والخوف الدائم من انكشاف زيفه، فالكذبة الأولى تتطلب عشراً غيرها لتغطيتها، حتى يتهاوى المَبنى الكاذب كاملاً فوق رأس صاحبه.

إن صيانة الكلمة هي في حقيقتها صيانة للإنسانية ذاتها، ولن تستقيم مفاهيم الحق، ولن يستقر عمران أو تقوم حضارة، إلا إذا عاد الصدق ليكون ثابتاً أخلاقياً حاسماً لا يقبل المساومة ولا التذبذب، مصداقاً لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِين

عن الأول نيوز

شاهد أيضاً

‎كيف يُسقط التدجين الثقافي الأمم من الداخل؟

‎الأول نيوز – صلاح ابو هنّود – مخرج وكاتب  ‎لا تسقط الحضارات دائماً بدويّ المدفعية …