د. شهاب المكاحله — واشنطن –
ولكن دارت الأيام وبان الخافي المستور
وصار الهم متعلي على قمة سعادتنا
كبرنا وصارت الدنيا تصف أحزاننا بالدور
و تهدينا الألم و الهم غصب عن عين رغبتنا
نحن من جيل نهاية الستينيات واوائل السبعينيات ممن تربوا على برامج الكرتون من شاكلة (افتح يا سمسم وتوم سوير والسندباد) وغيرها من المسلسلات الكرتونية التي تحمل قصة ومعنى. ترعرعنا على هذه البرامج وتأثرنا بها. واليوم حين نستذكر تلك البرامج ونقارنها بما يعرض حاليا نجد أن حال البرامج الحالية كحال المجتمعات العربية “ديجيتال” يتحكمون بها بالريموت كنترول من وراء المحيطات.
اتذكر حين كنا في المدرسة نكتب على اللوح بالطبشور ونمسحه عدة مرات ونكتب ما تجود به قريحة المدرس حتى تتعب اقلامنا ولا نتعب. ولم يكن لدينا كطلاب شاشات ذكية لأننا أذكياء بالفطرة واليوم لدى الطلبة ألواح ذكية ولكنهم روبوتات لا يعرفون الضرب والجمع والطرح والقسمة: لا مشاعر ولا انسانية ولا تفاعل مع الواقع. كنا نمشي للدراسة مسافات صيفا شتاء لا نعرف العطلات ولا نٌعطل انفسنا بسبب “انفلونزا” أو “حرارة” أو غيرها من الامراض والآفات. كانت مياه الامطار لغزارتها تتغلل الى أحذيتنا أو بقايا احذيتنا ونصل الى المدرسة ونبدأ يومنا الدراسي بحماسة شديدة. كنا طلابا أسوياء، وكان أهلونا يتعبون ويشقون لتربيتنا وتنشئتنا، وتخرجنا من المدارس والجامعات وصرنا نطمح لبناء الوطن فمنا من مكث في الداخل ومنا من هاجر واغترب ومنا من عاش بين الوطن حينا ودار الاغتراب حينا آخر.
كنا لا نعرف أننا كبرنا وأن الحياة قد راحت بهجتها وما عادت الغرفة الصغيرة التي تجمعنا تكفينا. أتذكر حين كنا نعيش في بيت من ثلاث غرف وصالة نستقبل بها ضيوفنا والجيران والأقارب، كبرنا وسافرنا وهاجرنا ودرسنا وعملنا وبنينا بيوتا من عدة غرف، بيوتا روحها جدران بلا إنسان، غرف خاوية بلا أخوان بلا عاطفة أم أو اب أو جد أو جدة، بلا حنان، صرنا إما ناقم على عيشته، أو في المهجر ضجران. غرف بلا روح، بل غرف من اسمنت وجدران. كم أتذكر تلك اللحظات التي تجمعنا بمن أحببنا، نأكل معهم خبزا حافا من صحن واحد ونضحك بأعلى صوت لأبسط الاسباب. كم نتوق لفتة الحليب بالخبز الذي ما عاد يصلح للاستهلاك الادمي. ولكن ببركة الأم والاب يصبح احلى من كل المناسف والحلويات. نفترش الأرض ونأكل مما نزرع من مختلف الاصناف والالوان. لم تكن اللحوم مطلبا رئيسيا على موائدنا ولكن كنا دوما فرحين بما لدينا بل كنا نشارك ما لدينا مع الجيران. كنا ننتظر شهر رمضان، لقدسيته وللمة الاسرة الكبيرة والأهل والخلان. يوما نأكل في بيت عيسى ويوم آخر في دار محمد ويوم في دارة غسان. نلبس ذلك الحذاء ذو الاصبع الصيني ومن كان في بحبوحة يليس حذاء المانيا.
كل ذلك صار سرابا اليوم. غرفنا فسيحة تسمح بسباق ديربي للخيل بل فورمولا 1 أيضا. ولكن تلك الغرف خاوية من روح الانسان، خاوية من المشاعر. كنا نستمتع بالقصص ليلا يوم الخميس والجمعة وفي أيام العطل وقصص “كان يا ما كان” و”حذاء الطنبوري” و”وضحة وإبن عجلان”. لم يكن في منازلنا سوى تلفاز واحد وتلفون واحد قد يكون بمثابة السنترال للحارة. واليوم تبدلت الأحوال، وصار الطفل في بطن أمه يحمل موبايلا وآيباد وله حساب تويتر وانستجرام وما خفي أعظم وكأن من يمتلك حسابات أكثر تعطيه الجاه والسلطان.
صرنا نعايد بعضنا برسائل واتس اب واذا كان فينا خير نبعث رسالة صوتية لرفع العتب وليس للإطمئنان. أين كنا وأين صرنا؟ كنا نتزاور كل يوم أو كل نهاية أسبوع ونترقب تلك الزيارات لأنها دليل صحي على تآلف المجتمع. واليوم بتنا لا نعرف من يسكن في نفس الطابق، أو في نفس الحارة أو في نفس الحي. بتنا لا نعانق بعضنا الا بالرسائل واللايكات والقبلات الايموجية المستوحاة من الفريزرات الحديثة وباتت عواطفنا باردة كبرودة القطب الشمالي والجنوبي.
يمرض الواحد منا ويدخل المستشفى ولا يعلم عنه أي إنسان. وإذا عرف الناس عنه يبادرون بالاتصال أو بارسال الرسائل للإطمئنان. بتنا نأكل ولا نشبع ونتحدث ولا نسمع وإن زرنا بعضنا يوما نجلس وشغلنا الشاغل الموبايل وكأن كل واحد منا يجلس فقط لرفع العتب. ونشكو لبعضنا: الوضع تعبان، الكل طفران، أه، سقا الله أيام زمان.
إذا ما زار أخ أخاه تراه يجلس على أحر من الجمر وينتظر أن تنتهي الزيارة بسرعة الضوء وكأنه لا يجلس على كنبة أو كرسي بل على زيت ونيران.
أصحيح ما يقال إننا كنا في الماضي نملك بيوتا صغيرة ولكن كانت قلوبنا كبيرة واليوم نملك بيوتا كبيرة ولكن قلوبنا صغيرة؟ كنا نعرف إذا كان هناك فقير في الحي ونهُب لمساعدته لأننا كنا جميعا على قلب واحد واليوم بتنا جميعا نحسد بعضنا البعض وضاعت البركة والتراحم. وما وصلنا إليه هو نتاج تفرقنا وتشتتنا.
نعيب زماننا والعيب فينا وما لزماننا عيب سوانا
كان مصروفي في المدرسة (بريزة) ولمن لا يعرفها هي (عشرة قروش) وهي ضعف “الشلن” أي الخمسة قروش حسب المعجم الأردني، وكنت أخذها من يد والدي أو والدتي وأنا سعيد جدا بل إنني أعود من المدرسة ولا أصرفها كلها. كل ذلك كان ببركة نفوس الناس واليوم لا ينفع دينار ولا عشرة ولا غير ذلك في توفير نفس الاحساس الذي كنا نحس به حينها.
كنا نحب البساطة واليوم بتنا نركض وراء تعقيدات الحياة حتى عقدتنا بهمومها وغيومها التي ما أمطرت لؤلؤا ولكن أمطرت علينا بؤسا وقلة بركة.
سقا الله أيام زمان!
كم أعشق هذه الكلمات التي تقول بالعامية الشعبية:
ألا ليت الزمن يرجع ورا ولا الليالي تدور
ويرجع وقتنا الأول وننعم في بساطتنا
زمان أول أحس أنه زمان فيه صدق شعور
نحب ونخلص النية و تجمعنا محبتنا
زمان ما فيه لا غيبة ولا حتى نفاق وزور
ياليته بس لو يرجع ونسترجع طفولتنا
صغار قلوبنا بيضا نعيش في عالم محصور
ولا نعرف أبد أغراب ما غير عيال حارتنا
صحيح صغار في التفكير لكن ما علينا قصور
نخطط نكسر اللعبة وتسعدنا شقاوتنا
نروح المدرسة بدري ونضحك داخل الطابور
نحاول نزعج العالم في روحتنا وجيتنا
وعشان نأخر الحصة نخبي علبة الطبشور
نشاغب بس في الآخر تميزنا براءتنا
نحب الضحك والهيصة نحب ننط فوق السور
نفرفش ليه ما نفرفش مدام الضحك عادتنا
ولكن دارت الأيام وبان الخافي المستور
وصار الهم متعلي على قمة سعادتنا
كبرنا وصارت الدنيا تصف أحزاننا بالدور
و تهدينا الألم و الهم غصب عن عين رغبتنا
تعبنا من بلاوينا أحد بضيق و أحد مقهور
و كل غارق بهمه و في الآخر تشتتنا
وأنا ما أقول غير إلا يا ليت إن الزمان يدور
و يرجع للورا فترة نعدل وضع عيشتنا
ألا ليت الزمن يرجع ورا ولا الليالي تدور
ويرجع وقتنا الأول وننعم في بساطتنا
زمان أول أحس أنه زمان فيه صدق شعور
نحب ونخلص النية وتجمعنا محبتنا
الوسومالأول نيوز الا ليت الزمان يدور شهاب المكاحله
شاهد أيضاً
أعداء الإصلاح متماسكون
أسامة الرنتيسي – الأول نيوز – معلومات بأن الدورة الاستثنائية لمجلس النواب ستبدأ منتصف …
موقع الأول نيوز الأخباري كن أول من يعلم