السبت , نوفمبر 28 2020 رئيس التحرير: أسامة الرنتيسي

وفيات الكورونا كارثية في الأردن… لنبحث عن اللغز والحلول

الدكتور سهيل الصويص –  

 

الأول نيوز – الأردني الذي عاش شهوراً طوال في نعيم لم تشهده سوى دول نادرة على وجه الأرض  وكان يتغنى بأنه لم نسجل طوال خمسة شهور سوى 11 وفاة من الكورونا يجد نفسه اليوم في دوامة من القلق والخوف وها هي الإصابات قد غدت يومياً بالاَلاف والوفيات بالعشرات فكيف يمكن إقناعه بأنها سحابة عابرة ستزول ومع بزوغ كل فجر لا تزف لنا الأخبار سوى المزيد من التشاؤم ؟

لقد سئمنا ممن غدوا لا يعرفون سوى تخديرنا بترديد مصطلحات بروتوكولات أكسفورد فما يهمنا هو الواقع الميداني فنحن لم نعد اليوم نقف على مفترق طريق وعر بل أصبحنا في أحضان العاصفة والمجهول أفلا يحق لنا أن نتساءل ما الذي جرى ويجري وأي مستقبل حالك يتربص بنا ؟

في 14 اَب الماضي سجل الأردن 20 إصابة جديدة وصفر وفاة ليصبح تعداد الإصابات 1303 والوفيات 11 . في قطر الصغيرة )التي كانت تعتبرأكبر دولة في العالم إصابة بالكورونا مقارنة بعدد السكان لكنها تعافت بامتياز ) تم في اليوم ذاته تسجيل 251 إصابة جديدة لكن مع وفاتين جديدتين فقط ليصبح مجموع الحالات 114532 ومجموع الوفيات 177 حالة ، أمّا في الكويت فتم تسجيل 701 حالة و 4 وفيات ليصبح مجموع الوفيات 457 والحالات 74486.

قد يعتبر البعض مقارنة الأردن مع قطر والكويت غير علمية ولا منطقية لكن عندما تعلمنا الأرقام في منتصف اَب بأن معدل الحالات في قطر ذات ال 2.7 مليون نسمة كان قرابة تسعين ضعفاً أكثر من الأردن والكويت ذات ال 4.2 مليون نسمة قرابة ستين ضعفاً فالتطور في البلدان الثلاثة في أقل من مائة يوم يمنحنا مؤشراً علمياً قيماً لقياس مستوى التدهور والانعكاس الذي وصل اليه الأردن.

في 14 نوفمبر سجل الأردن 4750 إصابة و 86 وفاة بيوم واحد وفي قطر 233 إصابة بدون وفيات وفي الكويت 691 إصابة لكن مع وفاتين فقط ليصبح مجموع الوفيات في الأردن 1704 والإصابات 141305 وفي قطر 234 وفاة و 135670 إصابة أمّا في الكويت فبلغت الوفيات 835 والإصابات 136341 إصابة .

أرقام صادمة بالتأكيد لكن ما يهمنا من الناحية العلمية ليس تعداد الإصابات بل عدد الوفيات الذي غدا يتراوح في الأيام العشرة الاخيرة في الأردن ما بين 60 و 91 وفاة يومياً. وعندما نتحدث عن معدل الوفيات فالمقارنة لا يجب أن تكون مع عدد الإصابات بل مع عدد المرضى في أقسام الإنعاش حيث تتواجد الحالات الحرجة وذلك إنطلاقاً من نسبة الوفيات في الإحصائيات العالمية حيث المتوسط العالمي الحالي بحدود 40% بينما يتفاخر مدير مستشفى الكورونا الرئيسي السابق في عمان بأن لديه في الإنعاش نسبة وفيات 90% فمنذ متى أصبح مريض واحد فقط من عشرة يدخلون الإنعاش يخرج غير مكفناً ؟

هنالك شيء غير طبيعي يجري في بلدنا منذ شهرين ، ولمحاولة استيعاب المعطيات المذهلة المتوفرة فلن نقارن أنفسنا بهارفارد لكن بالكويت وليس في نسبة الإصابات بل في معدل الوفيات حسب تعداد المرضى المتواجدين في الإنعاش في الأيام الأخيرة . فما بين 12 و 20 نوفمبر كان تعداد المرضى في الإنعاش في الكويت وبالتسلسل 110-110-111-109-115-105-105-94-92 مريض بينما نسبة الوفيات اليومية وبالتسلسل 4-3-2-3-4-6-9-2-2 وفاة أي بما مجموعه 35 وفاة بتسعة أيام . وعندما نقارن الوضع الأردني خلال نفس الفترة ما بين 12-20 نوفمبر نجد عدد المرضى في الإنعاش بالتسلسل 423-434-455-447-454-474-473-462-447 مريض بينما تعداد الوفيات وبالترتيب 80-71-86-68-71-66-60-84- 63 وفاة أي بما مجموعه 649وفاة خلال تسعة أيام . 

عندما يتوفى مريضان بيوم واحد من ضمن 111 مريض في الإنعاش بالكويت وفي اليوم ذاته نفقد 86 مريض في الأردن من بين 455 مريض في الإنعاش ( أي مريض من كل خمس مرضى ) فهذا أمر مثير ومرعب فحسب هذه الأرقام يمكن أن نستنتج أن مجموع المرضى الموجودين اليوم في الإنعاش أقل من مجموع الوفيات المتوقع خلال فترة ستة أو سبعة أيام فإذا كان وجود مريض في الإنعاش حسب هذه المعطيات يعني أن مصيره قد تقرر مسبقاً  فلماذا وجدت هذه الأقسام ولماذا نصرف الملايين على هؤلاء المرضى ؟

لقد سجلنا في الأيام الأربعة الأخيرة عدد وفيات يفوق ما سجلته قطر في ثمانية شهور وهي ذات الرقم القياسي العالمي بعدد المرضى مقارنة بعدد السكان فكيف لنا أن نغمض عيوننا ونكتفي بمنح الثقة للتصريحات المخدرة لمن يقولون لنا لا تخافوا فالحالات تعتبر مستقرة فاشرحوا لنا يا سادة عن أي استقرار تتحدثون عندما نسجل 2373 حالة اليوم وبعد يومين تصل الأعداد ل 7933 حالة ؟

      توقفوا بربكـم عن القول بأننا لا نملك إمكانيات الكويـت أفلا يعتبرنا بعض محترفي التصريحات الرنانة بأننا المركز الطبي الإقليمي الأول؟ ألا نتحدث عن الأردن الذي يصرف على الصحة كما لو كنا في مايو كلينيك كما تباهى به وزير صحة سابق وها هي الأيام تدل بأننا في خضم التصريحات الهوليودية طوال سبعة شهور لم نحضّر لا أسرة عناية ولا إنعاش ولا حتى مستشفى ميداني واحد بنينا أمثالها في غزة وبيروت ب 48 ساعة ؟

علاج مريض الكورونا في الإنعاش أينما كان يتطلب قسم إنعاش مجهز وفريق متمرن وجهاز تنفس اصطناعي هو نفسه في ميلانو والزرقاء ومن بين الممرضين والأطباء في أقسام الإنعاش بالكويت بجانب الأطباء الكويتيين نسبة لا بأس بها من الأردنيين والفلسطينيين الذي تخرجوا وتدربوا في الأردن فأين اللغز في عدم تحسين معدل الوفيات في الأردن فنوعية المرضى في البلدين متشابهة من حيث عوامل الخطر بل وهذا سؤال محير لن يجد جواباً مقنعاً فنسبة كبيرة من الحالات في بلدنا لا تدخل للمستشفى بسبب شعورها بأعراض بل يتم تشخيصها من خلال المسح الاستقصائي فلماذا هذه الأعداد بالمئات ممن يدخلون الإنعاش في الأردن ؟

أين يكمن اللغز ؟ هنالك خلل كبير لا نعرف هل هو في نوعية بروتوكول العلاج المقدم ودرجة مطابقته للأنظمة العالمية المتبعة أم في خبرة ومؤهلات الطاقم الطبي والتمريضي أم في مستوى العناية المقدمة أم على مستوى المنظومة الطبية بأكملها وهي التي لم يتم تطويرها منذ أن بدأ الفيروس يتغلغل في عروقنا على مرأى من المسؤولين الذين ما يزالوا يماطلون في  تزويد أقسام إنعاشهم بأخصائيين في الإنعاش التنفسي .

اعذرونا يا سادة التفاؤل ومحترفي التنظير على أمل أن تهبط عليهم الحلول من السماء نحن اليوم في المرتبة ال 39 عالمياً بعدد الإصابات والمرتبة السادسة عربياً في تعداد الوفيات ولقد مللنا تحميل الكمامة المسؤولية الوحيدة في قتلنا على نار هادئة فنحن لسنا بخير ولا على الطريق الصواب بل ونصارع الغرق الحتمي الذي يقترب يوماً بعد يوم فكيف تريدون منا وقد أصبحنا جميعاً مرشحين محتملين لدخول المستشفى ولربما الإنعاش والنهاية المأساوية أن ننام مسترخين ووزير صحتنا يعترف علانية يوم أمس بأنه ” لا يوجد قرار أو إجراء مثالي للحد من الارتفاع الكبير في الإصابات والوفيات بالأردن ” فما العمل ؟ هل نواصل  الانتظار والترقب مكتوفي الأيادي لنرى لا قدّر الله الأردنيين مبعثرين موتى في الشوارع من كثرة أعدادهم وخطر عدم توفير الأسرة الكافية لهم كما حصل في ايطاليا في اَذار ؟

الوقت ليس في صالحنا ونحن اليوم تخطينا مرحلة الكارثة الوبائية ودخلنا مرحلة الخطر الوجودي ويجب الاستيقاظ واليقظة والتحرك قبل التحسر وفوات الاوان .

       ما العمل ؟ في بلدنا قرابة 15 أخصائي Respiratory intensive careتفتقر كافة مستشفيات وزارة الصحة لوجود أمثالهم وهم مستعدون لتقديم خدماتهم كمتطوعين وكافة الخبراء يعلمون أنه  في غياب وجودهم لا يمكن توخي منح مرضى الإنعاش الفرصة والأمل للتحسن أو الشفاء فماذا تنتظر الوزارة لطلب خدماتهم مباشرة دون نشر إعلانات في الصحف وكأنها تبحث عن طاهي أو سائق .

       كذلك فبإمكان الوزارة التي لا تفتقر للدعم الدولي في مجال الكورونا الطلب من شركة متخصصة تطوير خدمات ال Telemedicine  كما هو الحال في غالبية الدول المتقدمة بحيث يستطيع خبراء في العناية التنفسية الحثيثة تقديم النصيحة ومتابعة تطورات المريض وعلاجاته عن بعد حتى تحت جهاز التنفس الاصطناعي مما يسمح بتحسين فرص الشفاء وتخفيف حدة الوفيات الدرامية في أقسام الإنعاش فما الذي يمنع من تطبيق هذا المشروع وبدون انتظار ؟

      وأخيراً هل نحن أفضل من ايطاليا التي وجدت نفسها في نيسان الماضي في وضع كارثي فطلبت النجدة من الأطباء الكوبيين المتخصصين بالامراض الوبائية وتمكنت من التخلص من ماَسي الجائحة وضحاياها ، فما الذي يمنعنا من طلب المساعدة من خبراء من كوبا أو الصين لمساعدتنا في تخطي هذه المرحلة المصيرية أم أن كبرياء البعض أهم بكثير من أرواح الأردنيين الذين يتساقطون دون رحمة بل وبمعدل سيزداد ويتضاعف كما تدل عليه الوقائع والدراسات العالمية واَخرها وأخطرها ما نشره قبل أيام معهد القياسات الصحية والتقييم في جامعة واشنطن والذي يثير القشعريرة والرعب في قلوبنا وعقولنا فهل من يصغي ؟

 

 

عن الأول نيوز

الأول نيوز

شاهد أيضاً

الشكر لمن يستحق الشكر….

القس سامر عازر – (غمرني القس ابونا سامر عازر بفيض من الكلمات اللطيفة الدافئة المقدرة، …