الخوري أنطوان الدويهي –
الأول نيوز – ما أصعب على المرء أن يموت وحيدًا! ما أصعبها أوقاتًا يمرُّ فيها الإنسان وهو مريض مدنف ولا أحد إلى جواره يواسيه أو يعتني به! تمرُّ الساعات كأنَّها دهر وهو يعاني سكرات الموت لا يعرف حينها هل يطلب الحياة أم الموت السريع!
أيَّام ثلاثة قضيتها وشعرتُ أنَّها لن تنقضي! لا أعرف للنوم طريقًا، ولا لليقظة سبيلاً. هربت منّي الصلاة وأبى الحاسوب أن يمرِّر الوقت عليَّ. نعم، لقد أصبت بالوباء اللعين!
كادت تمرُّ ثلاث سنوات على بدء انتشار هذا الوباء. حصد الكثيرين الكثيرين، منهم تركوا هذه الدنيا في ظروف قاسية، راحوا يتخبَّطون معه إلى أن تغلَّب عليهم؛ وآخرون ترك بصماته على حياتهم وصحَّتهم ظاهرة، بينما الأكثر حظًّا هم من كانت لديهم مناعة قويَّة فاستطاعوا التغلُّب عليه دون أيِّ تأثير عليهم أو على حياتهم.
يا لسخرية القدر! لم أعطِ ذلك الوباء أيَّة أهمِّيَّة، وظننتُني انتصرتُ عليه بقلَّة اكتراثي به.كنتُ من أوائل من تلقَّى اللقاح، ونلتُ ثلاث جرعات. أخذتُ بعض الحيطة والحذر في تنقُّلاتي، ولكنَّه لم يمنعني من أن أقوم بكلِّ ما وددتُ القيام به خارج المنزل. وإذا به يغدر بي فجأة دون سابق إنذار. لا أعلم من أين تلقَّيته، وأظنُّني لن أعرف أبدًا. ولكنَّني مذ شعرتُ بالضعف الجسديّ يتغلغل فيَّ حتَّى انزويتُ في غرفتي لئلاَّ أكون السبب في إصابة أحد ما به.
انحلال جسديّ بارز، وجع في الحلق لا يطاق، موجات من البرد وأخرى من الحرّ تصيب الجسد الضعيف. شعور بالاختناق يسري في الجسد. لا طاقة للعمل أو للقراءة أو للتحرُّك، ولا طعم للنوم. ما تقوم به هو عدُّ الثواني والدقائق والساعات علَّها تمرُّ سريعًا. ويا ليتها تمرُّ!
قابع وحيدًا في غرفتي، أتأمَّل بأولئك الذين مرُّوا قبلي بتلك الحالة الصعبة، أحاول أن أشعر بما شعروا به، وأن أتخيَّل اليأس في قلوبهم والخوف على وجوههم والتساؤلات! أتذكَّر وجوهًا أحبَّاء تغلَّب عليهم، تراهم كم عانوا من الوحدة! من الاختناق! من البرد! من العزلة!
سألتُ بعض من نجا منهم: “ماذا شعرت؟” فلم يستطع أحد التعبير عن تلك الحالة النفسيَّة التي مرَّ بها، التي طغت بكثير على الحالة الجسديَّة المرَضيَّة التي عانى منها. ما يريد أن يتذكَّره هو خروجه حيًّا من ذلك النفق المظلم!
واليوم، وأنا في ختام حجري، وأنا أدوِّن هذه الكلمات، إن سألتَني: “ماذا شعرت؟” أقول لك: “الحياة حلوة، ولكنَّنا نحن بأيدينا نجعلها بشعة. نتقاتل على أشياء تافهة، على أن نبحث عن الجوهر والمفيد والمهمّ. نهتمُّ بالدين وننسى الإنسان. نركِّز على عقائد عقيمة ونتغاضى عن المحبَّة. نفتِّش عن السعادة في المال والسلطة وأحيانًا في الرذيلة، ولا نعرف أنَّ السعادة في الصحَّة والأهل والأحباب. وإن شئتَ أن ألخِّص شعوري بكلمة: لقد ولدتُ من جديد…”
موقع الأول نيوز الأخباري كن أول من يعلم