الخوري أنطوان الدويهيّ –
الأول نيوز – دخل معلِّم اللغة العربيَّة الصفَّ فوجد تلميذين يتخاصمان، فأوقفهما عند حدِّهما وأعادهما إلى مكانهما ودوَّن على اللوح موضوعًا إنشائيًّا: “اكتب في خمسة أسطر ماذا كان يجري في الصفّ. برأيك، ما سبب الخلاف؟ مَن يملك الحقيقة ومَن المذنب؟ مَن يستحقُّ العقاب؟ كيف تتصرَّف في مثل هذه الحالة؟ وما العبرة التي تستنتجها؟” وأضاف قائلاً: “مدَّة الاختبار ربع الساعة”.
وترك المعلِّم الصفَّ وعاد بعد لحظات حاملاً بيده علبة، وضعها على الطاولة منتظرًا انتهاء التلامذة من واجبهم… بعد أن قرأ الأجوبة بصوت عالٍ ورأى التلامذة أنَّ الآراء متفاوتة، استدعى التلميذين وأوقفهما كلَّ واحد من جهة وتوجَّه إلى طاولته وأخرج طابة من العلبة، ووقف في الوسط وطلب من كلا التلميذين أن يقول ما لون الطابة. فكان الجواب مختلفًا. أحدهما قال: “لونها أسود”، بينما الآخر قال: “لونها أبيض”.
ثمَّ طلب من التلميذين أن يبدِّلا موضعهما وعندما نظرا إلى الطابة وجدها كلُّ واحد منهما باللون الذي قاله رفيقه. أعادهما المعلِّم إلى مكانهما، وقال:
“كما رأيتم، كلُّ واحد من رفيقيكم قال الحقيقة من وجهة نظره لأنَّه ذكر اللون الذي رآه. بينما الطابة هي بلونين الأسود والأبيض. كلُّ إنسان يرى الحقيقة من منظاره، وقد تكون صحيحة. ولكن عندما يرى من منظار رفيقه قد يرى أنَّ رفيقه هو أيضًا على حقّ. فلا تدعوا ردَّة فعلكم تنقاد لتفكيركم الذي هو في معظم الأحيان تفكير صحيح، قبل أن تروا الحقيقة من منظار الآخرين.
“إليكم ما جرى. بينما كان سمير يدخل إلى المدرسة وجد كارمن تغمر كريمًا وتقبِّله. وكارمن هذه هي صديقة سمير الحميمة، ولكنَّها في الوقت ذاته هي أخت كريم. لم يكن سمير يعلم أنَّ كارمن هي أخت كريم لأنَّها تقيم مع أمِّها بينما كريم أخوها يقيم مع أبيه المنفصل عن زوجته. احتدم الخلاف بينهما ظنًّا من سمير أنَّ كريمًا يحاول أن يجعل من كارمن صديقته الحميمة. كلُّ واحد يملك الحقيقة ولكنَّها تبقى حقيقة نسبيَّة، لأنَّها حقيقة غير كاملة. فلو كان سمير يعرف أنَّ كريمًا هو أخو كارمن لما كان جرى ما جرى بينهما. وأصلاً، لو نظر كلٌّ من أمِّ كريم وأبيه من وجهة نظر الآخر لما انفصلا عن بعضهما.
“وما نقوله عن هذا الحدث البسيط، يمكننا أن نقوله عن الأديان وحتَّى الطوائف بحدِّ ذاتها. عندما نتكلَّم عن اختلاف في الأديان أو الطوائف، علينا أن نعرف أنَّ لا أحد يملك الحقيقة المطلقة، فالله يبقى سرًّا لكلِّ إنسان. وكلُّ دين – أو طائفة – يملك شيئًا من الحقيقة لأنَّه يرى الله من منظاره الخاصّ، ولو نظر من منظار الآخرين لوجد أنَّهم هم أيضًا يملكون الحقيقة إنَّما حقيقة نسبيَّة.
“كفاكم مخاصمات على أمور بسيطة بل تافهة، فهناك أمور كثيرة تستحقُّ التوقُّف عندها أكثر. فما يجمعكم هو أكبر بكثير ممَّا يفرِّقكم. فالله هو خالق جميع البشر، هو معطيهم الحياة وهو الذي يستردُّها. فعيشوا مسالمين مع جميع الناس.”
موقع الأول نيوز الأخباري كن أول من يعلم