الأول نيوز – من رحم العتمة وظلام الزنازين وعسف السجّان، ينسج الفلسطيني منذ نشأته طرائق الأمل والمقاومة، وينتج أجيالًا تتبنّى فكرة مقاومة الاحتلال، نَلِدُ الأمل رغمًا عن قسوة الحياة وصعوبة تفاصيلها؛ نطفةٌ مهربةٌ كانت إعلانًا صارخًا عن حياة طفلَين في وجه منظومةٍ تسعى لفرض الموت والغياب.
الجمعة، الحادي والعشرون من أغسطس آب 2026، رُزق الأسير القائد باسل الأسمر بطفلَيْه، في لحظةٍ جسّدت أسمى صور التحدي الفلسطيني الذي لا يعترف بالأسوار ولا بالسنوات المقتطعة من عمر الأسرى، لتكرّس معركة وعي ووجود يتشابك فيها النضال بالإصرار على استمرار النسل والتجذّر في الأرض. خطوةٌ يثبت فيها الشعب الفلسطيني أن إرادة البقاء تكسر زرد السلاسل وتهزم جدران المعتقلات، وأن معركة الحرية تُخاض بالفكرة والمقاومة، وتُكتمل بالحياة التي تشرق من قلب العتمة.
الأسير باسل الأسمر صاحب الخمسين عامًا من سكان بيت ريما، وهو قيادي في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وأحد أبطال عملية اغتيال المجرم العنصري وزير السياحة الصهيوني رحبعام زئيفي عام 2001، والمحكوم بالسجن المؤبد، قرّر أن يجدّد كتابة اسمه في صفحات نضال شعبنا الفلسطيني، بإنجاب طفلَين عبر “النطف المهربة” من زوجته سنابل الراعي، التي وضعت طفليها صباح يوم الجمعة الماضي، لتكتب شهادتين في وجه منظومة الفاشية الصهيونية.
رحلة الأمل: عندما ينتصر الحلم على سنوات الانتظار
لقد خاضت زوجة الأسير باسل، سنابل الراعي رحلةً طويلة من الأمل لتكمل بها حلمها بأن تكون أمًّا رغم ظروفها، فتكشف في حديث عن تفاصيل قرارها ومشاعر التردد والتحدي التي سبقت خطوة “النُطف المهربة”، فتقول إن قرارها ليس طبيًّا، فقد كان مسارًا يختزل صراعًا مريرًا مع الزمن وعتمة الأسر.
تضيف سنابل أنها كأي امرأة كان حلم الأمومة يراودها دومًا، تنتظر اللحظة الطبيعية التي تجمعها بزوجها، وقد تعلق قلبها بالأمل مع الحديث عن صفقات التبادل، إلا أن انتهاء الصفقة الأخيرة دون إطلاق سراحه، مع تسلل سنوات العمر ومخاوف تقدم السن، وضعاها أمام لحظة فارقة؛ إما التسليم لواقع القيد، أو انتزاع الحياة من قلب العتمة.
وفي حديثها توضح سنابل كيف استحضرت شجاعتها وقررت أن تخوض تجربة زراعة “توأم الأمل”، التي كانت متشابكة بين الخوف والطبيعة الطبية وحساسية الظرف الأمني والنفسي، إلّا أنها استمدّت قوتها من تجارب سابقة لزوجات أسرى خضن المعركة ذاتها ونجحن في إبصار النور عبر أطفالهن، لتتجاوز بتجاربهن التردد بثبات، مؤمنةً أن الانتظار خلف الأبواب المغلقة لا يعني توقف الحياة، بل يعني صناعتها بطرق أكثر صمودًا وإصرارًا.
رسائل الفرح تخترق القضبان
تستذكر سنابل اللحظات الأولى لتلقي زوجها الأسير باسل الأسمر نبأ نجاح عملية الزراعة وإنجاب التوأم. في ظل محاولات عزل الأسرى عن العالم الخارجي، فتقول إن الخبر اخترق الحواجز وتسلّل إلى داخل المعتقل لينتشر خبرًا عاجلًا: نجاح عملية التهريب للأسير باسل، وتشير بعدها إلى أن مشاعر باسل امتزجت بالحب والفخر الكبير، ليشاركها نفس مشاعر الفرح والتأثر التي عاشتها في الخارج.
وأوضحت زوجة الأسير باسل الأسمر أن خبر نجاح عملية التهريب تحول لحالة من الاحتفاء والاحتفاء به خلف الأسوار، ليؤكد الأسرى من خلاله رفضهم سلب إرادتهم، ليبقوا قادرين على صنع الفرح وتوسيع مساحات الحرية.
تؤكد “سنابل” أن إنجاب طفلين لأسير يقضي حكمًا بالمؤبّد منذ عام 2002 يمثل رسالة صمود ساطعة تُسطرها الأمهات الفلسطينيات وتحديًا ملموسًا لقضبان الاحتلال، ليؤكد أن القيد لن يصادر حقنا في الحياة؛ فالأمل المنتزع من بطش السجان يبقى إنجازًا يؤكّد كسرًا عمليًّا لشرعية العقاب وقهرًا لمنظومة السجن التي توهمت قدرتها على سلب الأسرى حقهم في امتداد أسمائهم وأحلامهم عبر أجيال صاعدة تتربى على الحرية والتحدي.
استقبال التوأمين باسل وأوتار
وتصف سنابل لحظة لقائها الأولى بطفليها التوأمين بأنها مشاعر يعجز أي شخص عن تخيلها، مؤكدة أنها كانت تعيش حالة من الشوق الشديد والانتظار لتلك اللحظة الفارقة. وعن أول رسالة وجّهتها لهما فور ولادتهما، بحسب وصفها فإنها همست في أذنيهما باسميهما؛ “باسل” و”أوتار”، لترسيخ هويتهما وانتسابهما لوالدهما باسل الأسمر منذ اللحظة الأولى لرؤيتهما.
توضح الأم أن اختيار اسمَي التوأمين جاء بقرارٍ مباشر من والدهما باسل، حيث منحته كامل الحرية في تسمية أول طفلين لهما لما تحمله هذه الأسماء من معانٍ ودلالات خاصة تعكس رمزيتهما وقيمتهما لدى العائلة.
صناعة الأمل فعلٌ مقاوم
تختتم “سنابل” بالحديث عن الرسالة الأعمق التي حملتها هذه التجربة الاستثنائية لزوجة أسير بحجم باسل الأسمر وتاريخه النضالي، مؤكدةً أن الشعب الفلسطيني يبرهن دومًا أنه شعب عاشق للحرية ويصنع أدوات نضاله بشتى الطرق؛ فالإصرار على إنجاب التوأم هو امتداد طبيعي لنهج المقاومة المتعدد الأشكال. مشددةً أن تضحيات الأسرى خلف القضبان تكتسب خلودها واستمراريتها عبر أجيال جديدة تجسد قيم الصمود، الذي لن يكسره الأسر.
إن انتزاع طفلين إلى الحياة من خلف أسوار السجن إعادة تعريف لمفهوم الانتظار نفسه؛ هذا المفهوم الذي لم يعد سلبيًّا أو مجرد ترقب لفرج غائب، ليصبح انتظارًا مشحونًا بالحيوية، يغرس الجذور في الأرض ويضمن امتداد النسل، ليظل السجان محاصرًا بركام قيوده، بينما يمتدّ ظل الأسير باسل الأسمر عبر صرخات أطفاله الذين وُلدوا من رحم التحدي.
النطف المهربة: محطات تاريخية ومسار نضالي
بدأت فكرة تهريب النطف من سجون الاحتلال الإسرائيلي عام 2003، وسُجّلت أول ولادة ناجحة للطفل “مهند” في أغسطس/آب 2012 للأسير عمار الزبن، (المحكوم بـ 27 مؤبدًا)، لتكون هذه التجربةُ النجاحَ العملي الأول الذي فتح الباب أمام عشرات الزوجات لخوض التحدي ذاته.
ووصل عدد الأطفال المعروفين بـ”سفراء الحرية” إلى أكثر من 100 طفل لـ70 أسيرًا وما فوق، تم إنجابهم عبر مراكز مختصة، وعادة ما يُخفي ذوو الأسرى الفلسطينيين، والمؤسسات المعنية، أساليب ووسائل تهريب النطف المنوية من داخل السجون؛ تخوّفًا من إجراءاتٍ إسرائيلية محتملة لمنع تكرار العملية مع أسرى آخرين.
يطلق الفلسطينيون على الأطفال المولودين بهذه الطريقة لقب “سفراء الحرية”. وعلى مدار الأعوام الماضية، نجح عشرات الأسرى (خاصة أصحاب الأحكام العالية والمؤبدات) في إنجاب أكثر من 100 طفل، متحَدّين الاستهداف الأمني ومحاولات السجان منع الامتداد الأسري والإنساني للأسرى داخل المعتقلات. ( بوابة الهدف)
موقع الأول نيوز الأخباري كن أول من يعلم